الثورة السودانية: مراجعات ضرورية لإكمال المشوار

0
50
الاستاذ عبدالعزيز سام
الثورة السودانية: مراجعات ضرورية لإكمال المشوار
بقلم: عبد العزيز عثمان سام
8 يونيو 2022م
فى خِضم المحاولات الجادَّة التى نبذلها جميعاً، لربط الحراك الثورى المستعِر بقيادة سياسية من داخلها، لتفادى تجربة أبريل 2019م عندما كلفت فعاليات الثورة تحالف أحزاب قحت للتفاوض مع العسكر، فتوصلوا لشراكة بينهما- العسكر وتحالف قحت- ثم تنكروا لقوى الثورة، وكتبوا الوثيقة الدستورية، ودخلوا فى شراكة أضرَّت بالثورة ثُمَّ أجهضتها فى انقلاب 25 أكتوبر 2021م، عندما إنقلب العسكر على شريكهم تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت)، بعد أن عزلوه تماماً من “الحامِية الشعبية” المتمثلة فى قوى الثورة الشعبية، لجان المقاومة وتجمُّع المهنيين،
. ملحوظة: (لا يستقيم أن نطلق عبارة “حاضنة سياسية” لأحزاب راشِدة سياسياً.. لأن الحضانة تكون لقاصِر لم تتوفر له الأهلية القانونية/ السياسية.. بينما الأحزاب والقوى السياسية والمدنية هى أجسام السياسية راشدة، لها شخصية قانونية/ إعتبارية، فهى ليست قاصرة لتكون لها حاضنة/ حواضن سياسية ترعى شؤونها حتى تبلغ الحُلم السياسى فترشُد.. فأرجو أن نقلِّلَ من إستخدام عبارة حاضِنة سياسية التى دخلت قاموس خطابنا السياسى حديثاً حتى يزول ويخلِّصنا الله منها، وإستخدام بعبارات أخرى مناسبة ومعبرة عن المعنى المقصود، مثل “حامية” شعبية من حماية، أو داعمة من دعم)، والله المستعان،
ومن هنا جاء التحدى الحقيقي لحتمية ايجاد قيادة سياسية للثورة السودانية من داخلها، بعيداً أىِّ شراكة مع العسكر، لأن الجيش جيش الشعب السودانى ويخدم الشعب تحت إمرة الشعب ومؤسساته المدنية، وليس الجيش جسماً منعزلاً أو موازياً لشعبِ الدولة السودانية.. لذلك جاءت شعارات الثورة السودانية الجديدة تُنادى بفضِّ الشراكة بين الشعب والعسكر- قد أصبح شيمة العسكر الغدر- فهتف الشعب السودانى بشعارات جديدة، وقدم مئات الشهداء مهراً لتحقيقها، رفع الثوَّار الشعارات التالية وضحُّوا لأجلِها بالغالى والنفيس:
. لا شرعية للعسكر،
. لا شراكة مع العسكر،
. لا تفاوض مع العسكر،
. العسكر للثكنات، والجنجويد ينحل،
هكذا، رفعت الثورة السودانية بعد إنقلاب 25 أكتوبر 2021م الشعارات أعلاه وطفقت تهدر وترعد بالهتاف بها، وتقدِّم الشهداء بلا توقف، أما الجِراح الغائرة فحدِّث ولا حرج،
. بينما سُلطة الإنقلاب ما زالت فى غيِّها تعمَه، وتنكر أن الذى وقع صبيحة 25 أكتوبر 2021م كان إنقلاباً، وما زالت تدعى أنها حركة تصحيحية، وتدعو للحوار لإصلاح ما وقع على الشعب والوطن من أضرار جِسَام،
. لذلك، فى هذا المناخ الوخيم صارت الحاجة ضرورية لإجراء مراجعات لإكمال الثورة وإسترداد الوطن من قبضة العسكر والجنجويد وشركاءهم.. وفى بحثنا المستمر لإيجاد منظومة قيادة متينة للثورة تناسب قوَّتها الميدانية الضاربة، وتحدَّث الناس كثيراً عن كتابة وثيقة/ إعلان سياسى للثورة يتواثق عليها الشعب.. والأنسب أن تقوم بالكتابة جهة غير قوى الحراك الثورى ممثلة فى تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين، لأنَّها لو فعلت ذلك تحولت لقوى سياسية، بينما هى قوى مجتمعية ثورية نهضت بقيادة ثورة شعبية لقهر الظلم وجلب الحرية والسلام والعدالة للسودان، فلجان المقاومة ليست منظومة سياسية، لكنها قوى شعبية مجتمعية ثورية، لذلك صار لزاماً إجراء دراسة مهمة وعاجلة للجانِ المقاومة لتحديد كُنهِها وإسقاط المهام عليها، ثم إسناد المهام المطلوبة لإستكمال الثورة لجهات أخرى تكون هى الأنسب للقيام بتلك المهام التحريرية والتوثيقية لإستكمال الحِراك الثورى المُتَّقِد،
أولاً: بعد إسقاط إنقلاب 25 أكتوبر، هل ستقوم حكومة تأسيسية أو حكومة إنتقالية، وما الفرق؟:
. فى غمرةِ البحث فى هذا الأمر، شاهدت فيديو لدكتور/ الباقر العفيف مختار، وهو عالِم سودانى وكاتب معروف، كتب فى مجال الدراسات الإجتماعية، وأزمة الهوية والحكم فى السودان، وناشط فى مجال حقوق الإنسان.. قال الآتى:
. يجب إجراء دراسة للجانِ المقاومة لتحديد: هل هى قوى تغيير إجتماعى ثورى؟ أم هى قوى سياسية؟، لأنَّ التعامل معها على أنها قوى سياسية خطأ جسيم.. ولو طالبناها بكتابة مشروعها السياسى ومواثيقها ودستورها سنحيلها لقوى سياسية، خاصة بعد الإحباط الذى صدم الثوار من تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) فى أبريل 2019م عندما شارك قحت عسكر اللجنة الأمنية للنظام البائد، وكتبوا “الوثيقة الدستورية” ودخلوا فى شراكة شائِهة، إنتهت بهم إلى إنقلاب 25 أكتوبر 2021م،
. وأوَّل ما كتبت لجان المقاومة وثيقتها الدستورية/ سلطة الشعب، إختلفوا داخلياً، وتمَّ إتهامهم- من البعض- بأنَّ الحزب الشيوعى كتب لهم تلك الوثيقة، فتضررت لجان المقاومة من ذلك ضرراً بليغاً، وبعد إصدار وثيقتها السياسية تعامل معها الناس كتنظيم سياسى وذلك خطأ كبير،.
والحل: أن لجان المقاومة، على مستوى عموم السودان، تلتزم بالخط الثورى فقط كقوى مجتمع مدنى ثارت لإحداث تغيير مُهِم فى بنية الحُكم فى الدولة السودانية ليُحكم السودان مدنياً وتتحقق الحرية والسلام والعدالة.. وأن ينتهى للأبد تدخل العسكر فى شؤون الحُكم لأن العسكر ليس من مهامهم الحُكم، بل الدفاع عن البلد وحفظ أمنه وإستقراره، ويعملون تحت إمرة حُكم مدنى خالص، يأتمِرُون بأمره، ينفذون أوامره ويجتنبون نواهيه، شعارهم السمع والطاعة،
. لذلك، يجب أن تُوكِل قوى الثورة السودانية مُمثلة فى لجان المقاومة وتجمع المهنيين التى تمثل جميع قطاعات وتجمعات الشعب السودانى بالداخل والخارج، كتابة مواثيق الثورة السودانية للجنة وطنية تُشكَّل للقيام بذلك، وأن تكتفى قوى الثورة بدعم اللجنة الوطنية لكتابة مواثيق الثورة بالموجهات العامة التى تشكل روح الثورة وأهدافها وشعاراتها، وتترك الكتابة والتفصيل لـ “اللجنة الوطنية لكتابة مواثيق الثورة”، وأن يتفقَ السودانِيين على تشكيل تلك اللجنة الوطنية من خبراء وأكاديميين وقانونيين وإداريين، وممثلى الإدارة الأهلية، وقطاعات الشعب السودانى قاطبة، بحيث يُمثَّل الجميع بلا فرز،
. ثم تُعرض مسودات وثائق الثورة السودانية الصادرة من اللجنة الوطنية، للشعب السودانى للنظر فيها وتسجيل ملاحظاتها التى يجب أن تؤخذ فى الإعتبار، وتُضمَّن فيها لضمانِ الشمول والقبول من الجميع.. ثمَّ تُجاز تلك الوثائق الدستورية لتكون مُلزِمة للجميع، ونافذة،.
هكذا يجب أن تديرَ الثورة السودانية شأنها التشريعى، مؤقتاً، لحين قيام “المجلس التشريعى التأسيسى الثورى” بأعجلِ ما يكون لينهض بمُهمِّة التشريع والرقابة طوال فترة الحُكم التأسيسى للدولة السودانية بعد سقوط إنقلاب 25 أكتوبر 2021م وأيلولة الدولة لأجهزة الثورة الشعبية السودانية،
. ثمَّ دلف دكتور الباقر لنقطة مُهمَّة أثارَها فى سؤال، هو: الفترة التى تلى إنتصار الثورة، هل هى “فترة تأسيسية Constituent Period” لتأسيس/ بناء دولة سودانية على أنقاض الدمار الذى أحدثه حُكم الإنقاذ فى بِنية الدولة خلال 30 سنة من الفسادِ والإستبداد والتمكين، أدت لتدمير مؤسسات الدولة كلها (تشريعية وتنفيذية وقضائية وجهاز دولة)، وهتك قيم المجتمع وتدمير الإقتصاد؟،.
أم أنَّ الفترة التى تلى إسقاط الإنقلاب وإنتصار الثورة هى “فترة إنتقالية Transitional Period” مثل التى فى حكومة د. حمدوك بالإبقاء على أجهزة الدولة والخدمة المدنية كما هى قائمة فى العهد البائد، مع إصلاحات طفيفة بتعيين حكومة جديدة مع الإبقاء على أجهزة الدولة كما هى قبل الثورة، القضاء، الجيش، الأمن، الشرطة، الخدمة المدنية، والإقتصاد 80% منه بيدِ الجيش والجنجويد.. إلخ؟،
. هذا، ومن أوضح نتائج الحكومات الإنتقالية التى مرَّت على السودان، الحكومة الإنتقالية التى وآكبت منح السودان إستقلاله من المستعمر الإنجليزى، وتم ذلك عبر حكومة إنتقالية بدأت فى ديسمبر 1953م حتى يناير 1956م.. خلال هذه الفترة الإنتقالية نشأ برلمان سودانى “الجمعية التأسيسية”، وإنتقلت السلطة التنفيذية وجهاز الدولة من الإنجليز للسودانيين عبر عملية عُرفت بـ (السَوْدَنة) التى تعنى إبدال الموظفين الإنجليز بسودانيين، على أنَّ جهاز الدولة إستمر كما هو حتى أكتوبر 1964م، الجيش والشرطة والخدمة المدنية.. إلخ،.
إذا إختار الشعب السودانى- بعد إسقاط الإنقلاب- فترة تأسيسية لإعادة بناء السودان من جديد على أنقاض دمار 30 سنة من حُكم فاسد ومستبد دمر السودان وخصخص القطاع العام وإمتلكه، ونفذ سياسة التمكين لأتباعِه فهيمنوا على جهاز الدولة ومواردها وتصرفوا فيها تصرف المالك فجحدوها وحولوا المال العام لملكية خاصة بهم، وأفسدوا فساداً كبيراً.. فإذا إختار الشعب فترة لتأسيس أجهزة دولة جديدة على أنقاض هذا الدمار الهائل الذى وقع خلال ثلاثة عقود من الزمان، فذلك يتقضى الآتى:
أ) إعمال الشرعية الثورية، أعتماداً على شعارات الثورة وأهدافها، بعد تضمينها فى دستور الفترة التأسيسية/ حكومة تأسيسية.. وبالضرورة الإشارة لذلك فى كل التشريعات والمؤسسات، مثلاً: تُسمَّى الحكومة “الحكومة التأسيسية”، والبرلمان “البرلمان التأسيسى” على وزن “الجمعية التأسيسية” التى أقامها الرئيس جعفر نميرى فى الجزء الثانى من حكمه بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983م سيئة الصيت، فسَمَّى الجهاز التشريعى “الجمعية التأسيسيةThe Constituent Assembly” وأقام حُكماً لتأسيس أجهزة الدولة إستناداً لما أسماه النهج الإسلامى.. وكان جعفر نميرى قد أطَّر لذلك نظرياً بإصدار رؤية فكرية فى كتيبين سمَّاهما (النهج الإسلامى لماذ؟ والنهج الإسلامى كيف؟)، وكان الشيخ حسن الترابى وراء كل ذلك التوجُّه، وأباً روحياً لذلك العهد الذى إمتد أثره حتى اليوم،
ب) إلغاء وإزالة آثار قواعد الحكم فى العهد البائد، فكراً ومنهجاً وتشريعات وأدوات تنفيذ، فيجب إلغاء كل التشريعات التى قادت لهذا الفساد الكبير، وأن تتبنى الدولة منهج تشريعى مُعتدِل يقومُ على الحرية والسلام والعدالة، ويُبعد التشريع من الشططِ والغلوِ والنزاع،
ج) المحاسبة ومنع الإفلات من العِقاب: ويقتضى ذلك محاسبة قادة واتباع النظام البائد – تحالف الكيزان والعسكر والجنجويد – على كل المخالفات والإنتهاكات والجرائم التى إرتكبوها منذ ليلة 30 يونيو 2022م وحتى إسقاط حُكمهم الجائر، لا ضَرر ولا ضِرَار، ولا إفلات من العِقاب،
د) تكون “الفترة التأسيسية” طويلة، نسبياً، مقارنة “بالفترة الإنتقالية”، والفرق بينهما مثل الفرق بين إنشاء بيت جديد بأثاث جيد، وبين الإنتقال والسكن فى بيت قديم جاهز ومؤثث، ينتقل إليه الساكن الجديد بحقيبة ملابسه فقط، فالفرق شاسع بينهما،
هـ) حكومة الفترة التأسيسية تحتاج إلى موارد إضافية، ودعم سياسى ومادى، لإنهاء القديم المتشبِّث، الذى سيقاوم ويتحدي ويناهض، بينما الإنتقال يتم بالتراضى وبلا تنازع أو مقاومة.. لذلك الحكومة التأسيسية يجب أن تُسندَ إقليمياً ودولياً، وأهم آليات السند نشر قوة دولية أممية فى عموم السودان تحت الفصل السابع الإلزامى من ميثاق الأمم المتحدة، مهمتها إسناد ودعم عملية التأسيس حتى ينتقل السودان من عهد بائد متمكن وفاسد، إلى عقد جديد قادم، ودولة حُرَّة تعُمّها الحرية والسلام والعدالة،
و) بالنتيجة، بعد الفترة التأسيسية/ الحكومة التأسيسية The Constituent Government ينتقل السودان لعهدٍ جديد بعد أن تخلَّصَ من أوزارِ النظام البائد الذى هتك نسيج المجتمع وهيمن على أجهزة الدولة، وبدَّد مواردها بالخصخصة والتمكين والإختلاس، وبالتالى فتح صفحة جديدة ناصعة لسودان جديد وفريد.. سودان يُحكم مدنياً بنظام ديمقراطى وفق دستور وقوانين، ويسوده مبادئ حكم القانون وفصل السلطات والمحاسبة والشفافية، وينتقل فيه الحكم المدنى دورِيَّاً عبر إنتخابات حُرَّة ونزِيهة، دولة عِلمَانية بهُوِيَّة سودانوية تُعبِّر عن كل شعبِه، ويتساوى مواطنيها فى المواطنة.. دولة تُجَرِّم العنصرية وخطاب الكراهية وتعاقب عليه بقوة، دولة تقيم علاقات دولية معافاة تقوم على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعلاقات حسن الجوار، دولة تُسهِّل العبور السلمى والسلس للناس والبضائع عبر حدود مَرِنة مع دول الجوار والعالم أجمع، ذلك هو السودان الذى يحلم به شعبه الثائر الذى ذاق ويلات حُكم الفرد والعسكر والكيزان عمراً طويلاً،.
وعندما يتحقق ذلك السودان الحُلم، سيكون قِبلة وأمل كل دول الجوار والعالمين الأفريقى والشرق أوسطى يقلدونه ويتَّبِعون أثره، وينقلون تجربته إلى بلادهم، فيعمّ السلام والخير والأمن، ويسلم الإنسان من بطش وجور الطغاة، ويرعى الحمل آمنا مع الذئب، وتُسَرَّح الجيوش، ويلعب الطفل كُرة الماء مع التمساح فى النهر، ويرغَد العَيْش،
ثانياً: الجنجويد ينْحَل، كيف؟!
من شعارات الثورة السودانية التى شقَّت هتافها عنان السماء، ومُهِرت بأرتالٍ من الشهداء، شعار “العسكر للثكنات والجنجويد ينحَلّ”.. فكيف يتحقق هذا الشعار والجنجويد يقتلون الثوار كل يوم، ويبيدون أهل دارفور منذ سنة 2002م، ويحجزون حيَّزاً داخل القصر الجمهورى السودانى، وزعيمهم حميتى يختال زهواً بأنه نائب رئيس حكومة إنقلاب 25 أكتوبر 2021م،
شِعار الجنجويد ينْحَلّ يتحقق وفقاً للآتى: لا دمج للجنجويد فى المؤسسة العسكرية السودانية، ولا يتم دمجهم فى المجتمع السودانى مثل مقاتلى الحركات المسلحة السودانية،.
يتم إصدار قرارات تشريعية من البرلمان التأسيسى، بمراسيم دستورية، بحَلِّ جميع تشكيلات الجنجويد بما فيهم قوات الدعم السريع، يشمل تجريدهم من الرُتبَةِ والرَاتِب، وتُنزَع أسلحتهم، لأنهم قوات أجنبية قاتلوا فى السودان كمرتزقة مأجورين Mercenariesفيكون حلَّهم وفقاً لقاعدة (نزع سلاح وتفكيك المليشيات Disarmament & Dismantling of Militias DDM)،.
ولا يتوقع أحد أن يتم ذلك طواعية بقبول الجنجويد القَتَلة الذين يحتلون الأرض السودانية ويقيمون فيها قسراً وغلبة، لذلك تحتاج هذه العملية لقوَّةٍ دولية أُممِيَّة كبيرة تحت الفصل السابع الإلزامى مجهزة ومُهيأة لتنفيذ المهمة الخطيرة بنجاح، ويتم محاسبة الجنجويد على الجرائم والإنتهاكات التى إرتكبوها حتى لا يفلِتُوا من العِقاب No Impunity،.
كيف يتم دمج وتسريح المقاتلين السابقين للحركات المسلحة ؟ Ex- Combatants
. الدمج والتسريح :Demobilization & Reintegration
إعادة دمج المقاتلين السابقين The Reintegration of ex- combatants وتعنى إعادة دمجهم فى الحياة المدنية للمجتمع، وليس دمجهم فى القوات النظامية السودانية، جيش، أمن، شرطة،
وتسمية “محاربين سابقين Ex Combatants” تُطلق على قوات الحركات المسلحة السودانية وليس الجنجويد، لأن الجنجويد مقاتلين أجانب مرتزقة/ يقاتلون بأجر، لذلك التسريح والدمج يكون لمقاتلى الحركات المسلحة فقط، بينما الجنجويد يتم نزع سلاحهم وتفكيكهم DDM ومحاسبتهم وإبعادهم من السودان،
. لذلك، أدوات إعادة الدمج هى: التدريب والتأهيل وتوفير موارد الدخل لهم ليستقروا ويندمجوا فى المجتمع.. وأن دولة إرتريا هى الدولة التى نفذت عملية إعادة الدمج بشكل جيد، وقد ساعدها على ذلك بعثة حفظ سلام أممِيَّة تُسَمَّى (بعثة الأمم المتحدة فى إثيوبيا وإرتريا United Nations Mission in Ethiopia and Eritrea UNMEE) نشأت بموجب قرار مجلس الأمن/ الأمم المتحدة رقم 1312 بتاريخ 31 يوليو 2000م، وأنهت البعثة عملها فى يوليو 2008م..
. قلنا، أن قضايا ما بعد الحروب تحتاج لبعثات أممية تُعين على توطين السلام، بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج فى المجتمع، والمصالحة، كما حدث فى الجارة الشقيقة إرتريا،.
التسريح Demobilization ويعنى تحويل المقاتلين السابقين إلى أشخاص مدنيين بموافقتهم ورضاهم voluntarily, with their own content بناء على الاتفاق السياسى الذى وقعوه وحقق لهم مكاسب سياسية، إقتصادية وإجتماعية.. مثل اتفاق جوبا أكتوبر 2020م الذى وفر لهم وظائف كثيرة ليشغلوها وبذلك يتم تسريحهم بموافقتهم ورضاهم،
ثالثاً: هل إشتركت الحركات المسلحة الموقِّعة على اتفاق جوبا فى إنقلاب 25 أكتوبر 2022م؟:
الإجابة بنعم، ودونكم سِفر نشوء وتطور العلاقة بين الجبهة الثورية السودانية(SRF) وأحزاب “قوى الإجماع الوطنى”، (تحالف قحت الحالى)، لنقرر بعدها ما إذا كانت الجبهة الثورية قد خانت المواثيق والعهود، وإشتركت فى إنقلاب 25 أكتوبر 2021م:
نشأت الجبهة الثورية السودانية فى الفترة بين أكتوبر- ديسمبر 2012م، وعمَّمت بيانها السياسيى/ التأسيسى ودستورها وبرامجها لإسقاط نظام الحكم القائم فى الخرطوم.. فتلقفت القوى السياسية السودانية بالداخل، أحزاب قوى الإجماع الوطنى، ومنظمات مجتمع مدنى وأعلنت دعمها لقيام الجبهة الثورية السودانية وأيَّدت رؤاها وخطها السياسى وبرامجها لمقاومة النظام القائم، وإستعدادها للدخول معها فى شراكة تقوم على قبول مخرجات الجبهة الثورية،.
تواصلت الإتصالات وشُكلت اللجان وفُتِحت قنوات الإتصال وأعدت الوثائق المشتركة بين الجبهة الثورية والقوى السياسية ومنظومات المجتمع المدنى بالداخل، وأكتملت الإتصالات وتم تحديد مواعيد التوقيع على وثيقة توحِّد الجهد السياسى المدنى والجهد النضالى المسلح، وبتاريخ 6 يناير 2013م إلتقى قوي الداخل والجبهة الثورية فى كمبالا- يوغندا، ووقعوا وثيقة تأريخية سُمِّيت “ميثاق الفجر الجديد فى 6 يناير 2013 The New Dawn Charter”، ومهما يكن من أمر فإنَّ التوقيع على “ميثاق الفجر الجديد” كان حجر الزاوية ومنصة الإنطلاق لإسقاط نظام الإنقاذ فى أبريل 2019م. وتوالت الأحداث عاصفة: اتفق أطراف ميثاق الفجر الجديد على توسعة التحالف العسكرى المدنى ليضم المزيد من الأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدنى، فإتفقوا أن يلتقوا بأديس أبابا عاصمة أفريقيا، وكان التوقيع على “وثيقة نداء السودان” بأديس أبابا فى 3 ديسمبر 2014م”، وقعها عن أحزاب الداخل “تحالف قوى الإجماع الوطنى” مولانا فاروق أبوعيسى، ووقع الإمام الصادق المهدى عن حزبِ الأمَّة القومى، ووقع القائد منى أركو مناوى عن الجبهة الثورية السودانية، ووقع دكتور أمين مكى مدنى عن فدرالية منظمات المجتمع المدنى.. وبذلك بلغت المقاومة “الهجِين” للنظام الحاكم أوجَّها وصارت تغلى كالمرجل، وهاجت الحكومة فى الخرطوم وأعلنت الإستنفار العام الذى قاده حسبو عبد الرحمن نائب رئيس الجمهورية، وإعتقلت الحكومة الذين عادوا من أديس أبابا بعد توقيع وثيقة نداء السودان، كل من: دكتور أمين مكى مدنى، ومولانا فاروق أبو عيسى وآخرين، وظلوا فى المعتقل طويلا فى ظروف إعتقال مجحفة حيث كان يمنع عنهم الدواء والطعام الضرورى لأشخاص فى سنِّهم، فتوفُّوا بعد الإفراج عنهم بمُدَّة قصيرة، فصعدت أرواحهم الطاهرة إلى عليين،. ثمَّ، إلتقى الموقعون على وثيقة نداء السودان فى باريس حيث هيكلوا لوثيقة نداء السودان، وهكذا إستمر النضال المشترك برؤية وبرامج مشتركة بين قوى الإجماع الوطنى (الشق المدنى)، وبين الجبهة الثورية السودانية (الشق الثورى المُسلَّح)… وعندما إندلعت ثورة ديسمبر 2018م دعم هذا التحالف (المدنى/ العسكرى) الثورة السودانية تحت إسم (تحالف قوى الحرية والتغيير/ قحت)،. لما تقدم، لا يستقيم أن يخرجَ الشق الثورى المسلح (الجبهة الثورية السودانية) من تحالف إمتد لمدة تزيد عن ثمانية عام ونصف، منذ يناير 2013م حتى أكتوبر 2021م، تحالف أرسى تجربة نضالية ملحمية فارقة، وإرث وطنى مشترك، وتشترك بلا مسوغ أو مبرر فى إنقلاب 25 أكتوبر 2021م مع عسكر اللجنة الأمنية للحكومة التى ناضلوا ضدها من خلال ذلك التحالف الوطنى العريض!،. لذلك، الذين شاركوا فى إنقلاب 25 أكتوبر 2021م وهم حركات الكفاح المسلح للجبهة الثورية السودانية قد خانوا ذلك التحالف الوطنى (المدنى/ المسلح) خيانة عظمى أضرَّت بالوطن والشعب وبهم، فعليهم أن يكفُّوا عن اللغو الضجيج، وأن يضعوا حدَّاً لهذا الإنتحار الأخلاقى والسياسى، وأن يعرِضُوا عن ذلك ويستغفروا لأنفسهم ويعتذروا للشعب السودانى، لعل وعسى،.
أمَّا أستمرارهم فى تلك البركة الآسنة، بأيدى مُلطخة بدماءِ شهداء إرتقوا بعدوان الإنقلاب، ثم إنكار أنهم لم يشاركوا فى الإنقلاب! فذلك دفع وتبرير سخيف، يثير الحفيظة والغضب.. فالإعتراف بالذنب والإعتذار فضيلة عظيمة لو أنهم يعلمون.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here