عماد البليك يكتب: جذور التاريخ الثقافي للسودان

0
99
عماد البليك*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يبدو الحديث عن المسألة الثقافية في السودان موضوعاً شديد التعقيد، في ظل بلد انقسم إلى نصفين، ولا يعرف إلى الآن مآلاته المستقبلية، لكن هذا شأن أي مجتمع أو دولة، إذ أن التاريخ في صيرورته وحراكه المستمر لا يقف عند حد أو نقطة معينة، ويظل قائماً على جدل التحورات والتحرك باتجاه التفكيك والحذف والإضافة، لهذا فإننا نقصد بالسودان هنا الجغرافية القائمة حالياً التي لها جذورها القديمة جداً وتتطلب بالفعل الاكتشاف، بل إعادة الاستكشاف عبر الدراسات الأكثر حداثة، ومن هنا كانت النظرة عبر التاريخ الثقافي باعتباره مدخلاً أكثر اقتراباً من موضوعيات جدلية كالهوية والإنسانوية وفهم العقل الجمعي أو نقده الخ.. من هذه الأمور، بخلاف ما يمكن أن يحمله التاريخ الرسمي أو السياسي من مطبات وصور كلاسيكية بل قوالب جامدة يكون النظر فيها مصداً مستمراً لحركة التحرر الذاتي للشعوب والأنسنة المنشودة.
إذن فالحديث عن المقومات الثقافية لأي أمة أو تاريخها الثقافي، يعني بالضبط الانتقال من البنى البرانية أو الفوقية لتشكل المجتمعات أو الشعوب إلى ما هو أعمق من عمليات غير مرئية، تصبُّ في صميم صياغة جدل الحياة والوجود، حدث هذا مع السودانيين، كما يحدث مع كل الأمم والشعوب عبر التاريخ، ولابد أن نظرتنا لذلك سوف يضعنا أمام مسار مستقبلي نعيد فيه تأمل الذات من خلال إعادة الوعي بها، هذا الأمر مطلوب وضروري من أجل مصلحة العقل وجعله فاعلاً في الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها في مهام البناء والتنمية والطريق إلى صياغة الغد الأفضل للإنسان.
عندما نتكلم عن الجذور، فنحن بشكل أو بآخر نمس اللحظة المعاصرة، الآنية، لأن ذلك الجذر لابد أن يقود إلى الورقة في الشجرة، والخلاصات الراهنة، وليس من متشكل سياسي أو ثقافي أو معرفي الخ.. إلا وله أبعاد كامنة في الماوراء، يمكن تلمسها وتعريفها، ومساءلتها بالتالي ونقدها، بما يفتح الطريق لتحرير التاريخ وجعله أكثر نقاوة من خلال فلسفته جمالياً ومفاهيماً، هذا هو المسار الأكثر ارتباطاً بالمضامين الثقافية، التي تصب في صلب مشروع التاريخ الثقافي وقضاياه.
“يمكن النظر إلى مجمل التاريخ الثقافي للسودان في مستويين، مستوى كلاسيكي يقع في المنطقة ما قبل الحداثة الافتراضية في السودان التي بدأت مع دخول الإنجليز وقبلهم الأتراك، بيد أن الترك لم يصنعوا تأثيراً حقيقياً في بنية المجتمع بوصفه أداة حديثة تقوم على النظام والنظرة الجديدة للعالم، بخلاف الإنجليز الذين خلقوا أثراً فاعلاً في مركبات وبُنى المجتمع”
يمكن النظر إلى مجمل التاريخ الثقافي للسودان في مستويين، مستوى كلاسيكي يقع في المنطقة ما قبل الحداثة الافتراضية في السودان التي بدأت مع دخول الإنجليز وقبلهم الأتراك، بيد أن الترك لم يصنعوا تأثيراً حقيقياً في بنية المجتمع بوصفه أداة حديثة تقوم على النظام والنظرة الجديدة للعالم، بخلاف الإنجليز الذين خلقوا أثراً فاعلاً في مركبات وبُنى المجتمع وإعادة تخييل المكان والجغرافية وفق معطيات الحياة الحديثة في الغرب، من حيث الفلسفة والتصورات الجمالية وقصة الإنسان في العالم وغيرها من تجليات الفعل الحداثي. أما المستوى الثاني فهو ما قبل الحداثة أو الفترة الكلاسيكية في التاريخ الثقافي السوداني، وهي برغم أنها تعني كل التاريخ الممتد منذ أقدم العصور إلى نهاية عصر الدولة المهدية بنهاية القرن التاسع عشر، إلا أنها ذات مجموعة من الطبقات المتداخلة لعصور مختلفة وثنية ومسيحية وإسلامية، من حيث الإطار الروحاني.
في الفترة الحديثة برز اسم السودان القائم حالياً بوصفه وصفة استعمارية قد يكون لها أبعاد تاريخية لتداخلات بين المناطق والقبائل والمصالح القائمة في المكان، غير أن مجمل الصورة السودانية المتشكلة اليوم ستظل مرتبطة بالمخيال الاستعماري، برغم أن المهدية كانت قد بدأت في ترسيم هذا المشهد بشكل لاواعي عبر الحركة التي قادها الثائر محمد أحمد المهدي واستطاع فيها أن يضم أطياف شعوب السودان باتجاه هدف وطني واحد، لكن سرعان ما انتهت هذه الألفة إلى صدامات ومعارك ونزاعات داخلية، ما يعني أنها لم تصل إلى مفهوم الهوية المتصلة والواحدة، وهو ما نجح فيه الإنجليز ببسط سلطة الدولة، فوق أي اعتبار آخر، حتى لو أنهم أقاموا دولتهم على نسق يوازن بين القوى التقليدية والحديثة، بين زعماء القبائل والعشائر والإدارة الأهلية، والأفندية والموظفين والطبقة الوسطى التي بدأت تظهر في المجتمع السوداني كانعكاس أو صدى لأثر التحديث في البلاد. بالعودة إلى التركية فهي لم تكن معنية كما أسلفنا بالتحديث وبالتالي فإن سياق الدولة السودانية لم يكن له الوضوح والتأثير كوحدة سياسية كما حدث في عصر الإنجليز.
إذن فقد برز اسم السودان حديثاً ليحدد السودان الواقع تحت الاستعمار الإنجليزي، حيث أن اسم السودان كان يستخدم لعموم المنطقة جنوب الصحراء أو مدار السرطان ممتدة إلى الساحل الغربي لأفريقيا، وفي عام 2011م انفصل الجزء الجنوبي ليصبح السودان قائماً في مساحته الشمالية الراهنة، ويجب الانتباه بأنه على مدار التاريخ لم يكن حيث بدأ تشكل ذلك في المرحلة التركية بدءاً من عام 1821م إلى ميلاد دولة المهدية 1885م، هذه الوحدة كما سبق التوضيح لم تحدد مفهوم السودان بقدر ما كانت سياق حاول صناعة سلطة مركزية لأجل الأهداف المرحلية للاستعمار التركي آنذاك، وعلى مدى قرون طويلة غابرة منذ ستمائة سنة تقريباً وأكثر، ظل السودان عبارة عن سلطنات ومشايخ متناثرة بطول الشريط النيلي من شمال الخرطوم إلى جنوب مصر، وفي مناطق كردفان ودارفور وشرق السودان، وظلت منطقة سواكن في الشرق ذات خصوصية بتبعيها للعثمانيين منذ وقت مبكر، أما الجنوب الذي انفصل لاحقاً فقد ظل تاريخه شبه غامض ولم يجد كثير اهتمام من الدراسين في شمال البلاد.
بالنسبة للمستوى الأول الكلاسيكي، فيمكن أن نقسمه إلى ست حقب، تشمل الحقبة المنسية منذ أقدم العصور، والممالك القديمة الوثنية وفترة المسيحية من ثم الإسلام ممثلا في سلطنة الفونج (سنار) فالتركية إلى المهدية. في حين سوف يأتي الاستعمار الإنجليزي فالفترة ما بعد الاستقلال إلى اليوم في المستوى الثاني للتاريخ الثقافي السوداني.
في الفترة المنسية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ ما وراء عام 1600 ق.م يتحدث المؤرخون عن مجموعات ثلاث تسمى أ وب وج، وليس من تصور واضح لتلك الفترة إلا بضع نظريات حول المجتمع والاقتصاد تشير إلى تداخل مع الشمال المصري ونزوع نحو الاستقلالية في المناطق الجنوبية قريباً من الخرطوم الحالية، حيث يعتقد بأن ثمة حضور حضاري قديم في هذه المنطقة حيث وجود هيكل عظمي بموقع مستشفى الخرطوم الحالي يعود إلى حوالي 900 سنة قبل الميلاد، كما يمكن الإشارة إلى التاريخ الغارق في القدم للسودان الذي لا يزال مجهولاً كما يتجلى في إنسان سنجة الذي اكتشفت حفرياته عام 1924م، الذي عاش في العصر الحجري الجليدي (160 ألف سنة قبل الميلاد)، ويشكل بدايات مبكرة لوجود الإنسان في السودان ومناطق سنار بالتحديد.
بيد أن التاريخ السوداني المعروف في الأضابير التاريخية الرسمية، يبدأ بحضارة كرمة وكوش في الشمال التي تشكل فترة الممالك الوثنية القديمة، وتعتبر فترة كرمة بداية الازدهار العمراني السوداني فهي مدينة تأسست حوالي سنة 2400 ق.م “صممت بشكل اصطناعي ليس كمدينة مزارعين أو رعاة”، بل كمركز إداري لتسيير مملكة ممتدة الأطراف، بها منازل الملوك وأشراف القوم” كما وصفها عالم الآثار السويسري السويسري شارل بونيه (عن موقع سويس أنفو على الانترنت)، حيث نلحظ من ذلك بداية النسيج الحضري القديم، ونشوء نظام طبقي اجتماعي يجعل لعلية القوم مدينتهم في حين سيعمل باقي المجتمع في الرعي والزراعة على امتداد النيل مع ظهور حرف أخرى كالتعدين وبعض الصناعات الأولية.
هذا يشير بجلاء إلى بدايات التمدن في السودان القديم في المستوى الثقافي الكلاسيكي، ولعل أبرز الملامح هنا تتجلى في تقسم الناس إلى طبقتين في العمل والإنتاج كذلك المسكن، هذا يشكل انعكاساً لوعي ثقافي يدل على أن ثمة نوعاً من الإدراك للعالم أو الوجود الذي بدأ يمايز الناس بناء على مفاهيم العمل والقيمة المادية، بحيث يكون ثمة نبلاء وعلية قوم، وأناس عاديين يشتغلون لصالح هذه الطبقة. كما أن تقسيم فضاء المكان بدأ يأخذ صيغتي الريف والمدينة، وهو مستوى مبكر من بداية جدليات ثقافية تتكشف في هذا الثنائيات.
يمكن القول بأن حقبة كوش تشكل واحدة من أهم المراحل المهمة في التاريخ السوداني القديم، إذ يمكن الحديث عن حضارة باهرة بدأت منذ القرن الثامن قبل الميلاد في كرمة ثم تحركت جنوباً لتشكل استقلالية فيما بعد عن المركزية المصرية في الشمال، بقيام مملكة نبتة أو مروي الكوشية ذات الصبغة السودانية، التي سوف يصل تأُثيرها إلى أورشليم القدس في حملات الملك ترهاقا أو تهراقا، الذي امتدت فترة حكمه من 690 إلى 664 ق.م، وفي عهد أركاماني الملك الذي حكم من 270 إلى 260 ق.م الذي خلد هرماً رائعاً بالبجراوية، وعُرّف بالحرب على الكهنة ورجال الدين وتحويل الديانة من التبعية لمصر إلى الإله أبا دماك (الإله الأسد)، وينظر إليه بوصفه مؤسس العصر المروي المدني الحقيقي الذي شهد الازدهار الثقافي والمعرفي والصناعي لحضارة مروي التي عرف بـ “برمنجهام أفريقيا”.
لعل الملاحظ هنا أن المجتمع بدأ يتعقد من حيث البنى الاقتصادية، والسياسية وينعكس ذلك في الصراعات العميقة التي ضربت بنية الدولة، بحيث يتم تغيير حتى الإله المعبود، وفي كل ذلك إشارات جلية إلى ما وراءه من التحولات الثقافية العميقة جداً، فالجوانب الروحانية ورمزيات الآلهة، كل ذلك لها انعكاس مضموني في هذه المسألة، يمكن أن يقود النظر البعيد فيها إلى الكثير من التفاصيل المتعلقة بشكل المعرفة والإدراك وبنية العقل وتحولاته في تلك الفترة.
يجب الإشارة إلى أنه إذا كان هناك العديد من النظريات حول تاريخ الشمال السوداني، في ارتباطه بالحضارة الفرعونية، ما شهد شداً وجذباً، فإن القراءات في هذا الإطار تنزع في الغالب إلى تعظيم كل طرف لهويته من خلال التركيز على أنه المسيطر أو المهيمن، فالمصريون ينظرون إلى الحضارات النوبية في أبحاثهم بوصفها امتداداً لحضارتهم، وأن بعض الأسر النوبية هي أسر فرعونية في الأساس كالأسرة الخامسة والعشرين التي حكمت جنوب مصر في المناطق النوبية، في الفترة من 744 إلى 665 ق.م. في حين تسعى الدراسات السودانية الحديثة إلى تشكيك الإطار الاستقلالي للحضارة النوبية والبحث عن هوية ذاتية سودانية، أو كُوشية بحتة، ذات منحى محلي بحت، بل أنها الجذر الأساسي الذي انطلقت منه الحضارة باتجاه الشمال. بعيداً عن هذه الالتباس والجدل، فالواقع أن ثمة تداخل وحروب تمت في فترات متفاوتة، لاسيما في الحزام الشمالي من السودان أعلى دنقلا الذي يجاور جنوب مصر، فهذه المنطقة إلى اليوم ذات إطار أو سياق لغوي واحد وثقافة متوارثة ذات تقاليد مشتركة، تتمثل في الثقافة النوبية.
يتميز العصر الكوشي بملامح معمارية جلية كالأهرامات والمعابد الجنائزية والمسلات كمسلة بعانخي، وثمة مدن ملكية كاملة لها طابع القداسة، حيث معابد الآلهة، كما في جبل البركل قريباً من كريمة، وهو تاريخ لا زال يختزن الكثير لم يكشف كاملاً إلى اليوم وتستعصي هذه العملية في ظل تعدد الرؤى والنظريات، حيث وإلى الآن ثمة بحوث مستمرة في الحزام الشمالي من مروي إلى بربر والبجراوية. في تلك الفترة نشأت المدن ذات الطابع الروحي أو القداسي، وهي مهمة في تذكرها إذ سوف تؤثر لاحقاً في النظرة المقدسة للأمكنة كما سنرى في سياق الثقافة الإسلامية إذ سوف تنشأ بقعٌ مباركة، أو أماكن يستبدل فيها المعبد أو بيت الإله أو هرم الملك بقبة الشيخ أو الصوفي الإمام الخ.. ما يجعل فكرة القداسة حتى لو أنها ذات مضمون وثني ما قبل الإسلام في السودان، إلا أنها تتحور في السياق الحضاري الجديد داخل مضامين الثقافة الإسلامية، هذا يشير بجلاء إلى الوحدة الاتصالية داخل بنية المستوى الكلاسيكي من التاريخ الثقافي السوداني.
“الحضارات السودانية القديمة كانت ذات اتصال باليونان والرومان إلى الآشوريين وغيرهم من حضارات العالم القديم”
من الجدير كذلك، الانتباه إلى الحضارات السودانية القديمة كانت ذات اتصال باليونان والرومان إلى الآشوريين وغيرهم من حضارات العالم القديم، إذ تكشف طبيعة الفنون والعمارة وتوظيف الآلة والملابس وغيرها من الأشكال الثقافية وتجلياتها في الحياة من أوجه التحضر، عن ذلك التأثر بالآخر، وأن تلك الحضارة السودانية لم تكن معزولة أو مغلقة لحالها بل تتفاعل مع العالم البراني وهي جزء منه تقوم على الاتصال المستمر. هذا طبيعي فليس لمكان أن يتحضر وهو مغلق لذاته، وقد أشير للسودان القديم في سرديات الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل وعند اليونانيين، فقد نسب لهوميروس مؤلف ملحمة الإلياذة والأوديسة قوله بأن “الآلهة يجتمعون في السودان في عيدهم السنوي”.
هذا الأثر والتلاقي مع الآخر يكشف عن استمرار تجدد ثقافة السودانيين عبر العصور، وتحولات المجتمع وتحويره للقيم والتقاليد من حقبة لأخرى، فمع دخول المسيحية للسودان سوف نجد كيف أن هذه الثقافة الجديدة غيرت ملمح العمارة الدينية بالوجه الخاص، حيث ساد بناء الكنائس بديلاً للمعابد الوثنية القديمة، فإذا كان تحول الكوشيين من عبادة الإله المصري آمون رع إلى عبادة الإله المحلي الأسد أبا دماك قد غيّر في بعض ملامح عمارة المعابد، كذلك فقد عمل الانتقال للديانة المسيحية بذات الشكل نفسه، حيث ظهر جلياً أن تطور العمارة بوصفها أداة ثقافية في المجتمع، يأخذ من شكل القديم ويضيف إليه لاسيما في الرموز الدينية، فصور الأسد وأشكاله المرسومة في المعابد مثلا استبدلت في العصر المسيحي بصور السيد المسيح والسيدة العذراء، وهكذا.
في فترة ما بعد مروي، أو الفترة المسيحية، التي بدأت منذ القرن الثالث الميلادي، تم في البدء تحويل بعض قصور حكام النوبة إلى كاتدرائيات، وقد كان دخول المسيحية على فترات ولم يكن وهلة واحدة، وقد “أعطت الحضارة المسيحية الحضارة السودانية بعداً جديداً، حيث اتصلت الحضارة السودانية بالعالم المسيحي وارتبطت به فكرياً وروحياً فظهر ذلك في الآداب والفنون وتجلى ذلك في نمط بناء الكنائس والمناظر الدينية” وظهور الأثر الروماني والبيزنطي في العمارة الدينية، وقد أشار لذلك الباحث شمس الدين يونس نجم الدين في مؤلفه “الطقوس السودانية عبر التاريخ” (ص 29 /يونس/2003).
تشكلت خلال العصر المسيحي في السودان ثلاث ممالك هي: نوباتيا أو النوبة في الشمال وعاصمتها فرص، والمقرة في الوسط وعاصمتها دنقلا العجوز، وعلوة في الجنوب وعاصمتها سوبا، ومن ثم التحمت نوباتيا والمقرة في مملكة واحدة. يرى مبارك بابكر الريح في تقديمه لكتاب الأب الدكتور ج. فانتيني  “تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث” أن تمازج الأفكار المسيحية الوافدة من مناطق البحر الأبيض المتوسط بالحضارة المحلية، أدى إلى إثراء الحضارة السودانية “وذلك بظهور نوعية جديدة من التقاليد لم تكن معروفة قبل دخول الأفكار المسيحية التي وجدت مرسومة على جدران الكنائس وبصفة خاصة على جدران كنيسة فرص” (ص 13/ ج. فانتيني/ 1978). وقد أدى دخول الإسلام إلى مصر في عام 641م إلى تشكيل حاجز بين المناطق الأوروبية وثقافة المتوسط والمنطقة السودانية، ولكن مع ذلك بحسب مرجع فانتيني، فقد استمر الأثر البيزنطي قائماً قوياً في السودان.
هكذا شكّل العصر المسيحي فترة انتقال وتمازج ما بين الأثر الوثني والإسلامي لاحقاً، واستفادت عمارة الكنائس من مقومات البيئة المحلية، حيث بنيت بالطين الأخضر، قلة منها بنيت من الحجر والطوب الأحمر (المحروق)، “وليس معنى هذا اختفت نماذج البناء المحلي التي كانت سائدة في عهود ما قبل المسيحية، بل تعايشت تلك النماذج… مع الفن المسيحي” (ص 14/ المرجع السابق). هذا الدليل يؤكد من جديد على ما سبق الإشارة إليه من تلك الوحدة الاتصالية في مضامين الثقافة السودانية، في مستواها الكلاسيكي. هذا الأسلوب من التحور الثقافي يلحظ في الحياة عامة وفي العمارة كتجلٍ واضح في المكان، حيث يتحول القصر الملكي إلى كاتدرائية وتتحول الكنيسة لاحقاً في الفترة الإسلامية إلى مسجد، كما في كنيسة دنقلا مثلاً، وهكذا.
من المعلوم أن الإسلام لم يدخل بالحرب إلى السودان، وقد كان التواجد العربي قديماً عبر البحر الأحمر في شرق السودان ومناطق سهل البطانة والحزام النيلي، واستمرت مملكة المقرة حوالي 700 سنة كانت فيها الثقافة المسيحية ذات بناء فوقي للطبقات البرجوازية أو الحاكمة، ويشير المستشرق البريطاني ج. سبنسر تريمنجهام في كتابه “الإسلام في السودان” إلى ملاحظة بشأن سرعة انتشار الإسلام واختفاء الأثر المسيحي بأن “الكنيسة في السودان بقيت داخلية تماما، ولم تصبح أهلية أبداً بمعنى ما عليه الإسلام الآن” (ص 82/ سبنسر/2001). يشرح ذلك ببساطة قائلاً: “كانت المسيحية ديناً للدولة ولم تخلق أبداً أثراً ثورة في حياة الشعب” (ص 83 /المرجع السابق). هذا الأمر، جعل الإسلام يجد الطريق سريعاً في الأرض السودانية، حيث كان له الطابع الشعبي، لاسيما مع دخول رجالات التصوف وعلماء الدين القادمين من مناطق مصر والمغرب العربي والحجاز وهم غالبهم من طبقة التجار والأثرياء، الذين ساهموا في بلورة فترة جديدة في المجتمع السوداني شكلت ملمحاً جلياً في الحقبة السنارية التي سوف ينعكس فيها تشكيل فسيفسائي لتراكم التاريخ السوداني ببعده المحلي وامتزاجاته مع الثقافات الوافدة في شتى العصور، ويرى سبنسر استناداً على ابن خلدون أن العرب “لم يقهروا البلاد بالأعداء ولكن بالتسرب، وبخلع البيوت الملكية عن عروشها وأنهوا الحياة الثقافية والدينية للمملكة” (ص 78 / المرجع السابق).
“مملكة علوة ظلت صامدة إلى عام 1505م حيث اقتحمت عاصمتها سوبا بواسطة قوات القواسمة العبدلاب في تحالفهم مع الفونج العنصر القوي الذي سوف يشكل إضافة جديدة ونوعية في الحضارة السودانية”
إذا كانت نهاية المقرة قد حدثت بتفكك تدريجي تمثل في ضغط المسلمين من الشمال أو السيطرة الداخلية للإسلام والعرب الذين تزاوجوا مع سكان البلاد الأصليين مشكلين قومية جديدة أخذت من العرقين العربي والكوشي واستفادت من نظام الخلافة المحلي الذي يعتمد على النظام الأمومي (تمليك الأخت أو ابن الأخت)، فإن مملكة علوة ظلت صامدة إلى عام 1505م حيث اقتحمت عاصمتها سوبا بواسطة قوات القواسمة العبدلاب في تحالفهم مع الفونج العنصر القوي الذي سوف يشكل إضافة جديدة ونوعية في الحضارة السودانية، لكنه يظل عنصراً مشوباً بالغموض إلى اليوم من حيث جذوره وبداياته من حيث الأصل والمنبت. وستنهض فترة الحكم السناري، الذي لا تزال خصبة إلى اليوم في تشكيل هوية وملمح الثقافة السودانية التنازعية بين العروبة والزنوجة، كما تم ترديد ذلك بشكل كبير في الستينيات من القرن العشرين كما في مدرسة “الغابة والصحراء” الشعرية، أو كثير من الخطاب الفني والفكري الذي قد يكون في بعض جوانبه مضللاً ولم يدخل في تحليل أو وعي معمق للتاريخ. يدل على خصوبة الفترة السنارية أنها تم استقطابها من قبل سواء اليمين الإسلامي السوداني أو اليسار، كلاهما تغنى بها، وحاول أن يستميلها لصالحه، بظن أنها يمكن أن تشكل عودة إلى المفقود والفردوس المنسي، ممثلاً في سناره كما تغنى لها الشاعر محمد عبد الحي في “العودة إلى سنار”، في مقابل ما غناه الإسلاميون، في “سنار موعدنا يا باغونا”، هذا الثراء الذي له طابع أسطوري، سوف نضيء تفاصيله بدراسة التضاريس الثقافية لتلك الفترة في فصل لاحق.
يبقى القول بأن جذور التاريخ الثقافي السوداني، ذات طابع تحوري، كما وضح من خلال هذا السرد التشعبي، الذي يشير إلى الانتقال من عصر لآخر، وهو إن اعتمد على البنية السياسية في التحقيب العام، إلا أنه حاول أن يعزز الإطار الروحي والثقافي من خلال النظر إلى تحول نموذج الإطار الحضري العام أو العقائد أو العمارة، وتداخلات مجمل ذلك المشهد مع المستويات الاقتصادية والطبقات الاجتماعية المتغيرة من فترة لأخرى انعكاساً لأنساق المجتمع في كل فترة، من رجال دين كهنة أو شيوخ تصوف في فترة أخرى، وهكذا. أو حكام وملوك استمروا في كل الفترات تقريباً، في تحورات للصيغ الكلاسيكية نفسها من الملك الوثني إلى الملك المسيحي أو المسلم. كل ذلك يحتاج الاستكشاف والقراءة والتأمل لفهم كيف يتشكل ذلك التاريخ الثقافي المغيّب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وروائي ومعماري، مؤلف لـ 25 كتابا في الأدب والفكر

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here