في البدء الحداثة انطلقت من أفريقيا

0
218

ألوفيمي تايوو *

ما زالت أفريقيا غير مفهومة جيداً من بقية العالم، وكثيراً ما يتم تشويه صورتها في المداولات العالمية، سواء في أعمال باحثين أفارقة ومتخصصين بالشأن الأفريقي، أو في تقارير الصحافيين وبيانات عمال وموظفي وكالات الإغاثة. إنهم يميلون إلى رؤية أفريقيا على أنها استثنائية، ويحددها اختلافها.

فهؤلاء جميعاً يميلون إلى اعتبار أفريقيا استثناء يمليه واقع اختلافها. ويسود التباين في الطريقة التي يقوم فيها الناس، أفارقة وغير أفارقة على حد سواء، بوصف هذه القارة. إذ على سبيل المثل تعد كل من بلجيكا بتوتراتها المزمنة بين المتحدثين باللغة الفرنسية من جهة والمتحدثين بالفلمنكية من جهة أخرى، وكندا التي تضم أحياناً انفصاليين كيبيكيين [من الكيبيك] شرسين، وروسيا حيث تجبر العديد من الأقليات الإثنية على البقاء ضمن جمهوريات لا تستسيغها، فيدراليات متعددة القوميات، فيما في الجانب الأفريقي تبقى كل من جمهورية الكونغو الديموقراطية وأثيوبيا ونيجيريا مشاريع “لبناء الأمة”، وفق التسمية السائدة، إذ تحتاج القبائل المتنافرة فيها إلى التشكل والتحول إلى أمة. من هنا فإن ما يُعد على أنه فيدرالية في أمكنة أخرى ينظر إليه في أفريقيا على أنه قبلية.

لا تزال أفريقيا غير مفهومة على أفضل وجه في بقية العالم وكثيراً ما يتم تشويه صورتها في المحادثات العالمية، سواء في عمل العلماء الأفارقة وغير الأفارقة، أو في تقارير الصحافيين أو رسائل عمال الإغاثة. إنهم يميلون إلى رؤية أفريقيا على أنها استثنائية ويحددها اختلافها. إن عدم التماثل يشكل الطريقة التي يصف بها الناس، الأفارقة وغير الأفارقة على حد سواء، القارة. على سبيل المثال، بلجيكا (مع التوترات الدائمة بين الناطقين بالفرنسية والمتحدثين بالفلمنكية) وكندا (موطن انفصالية حاقدة أحياناً في كيبيكويس [الكيبيك]) وروسيا (حيث يتم تقسيم العديد من الأقليات العرقية على نحو غير مريح إلى جمهوريات) على أنها اتحادات متعددة الجنسيات، لكن جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا هي مواقع لما يسمى ببناء الدولة، إذ تحتاج القبائل المتنوعة إلى تكوين دول، فما يعتبر فيدرالية في أماكن أخرى يصبح قبلية في أفريقيا.

حتى إن أفريقيا كمفهوم جغرافي تبقى موضوعاً مشحون بالتوتر، وغالباً ما تقسم القارة بين شمال أفريقيا وبين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتلك مقاربة تعود إلى القرن الـ 19 مصدرها اعتقادات عنصرية تتجسد بالتمييز بين سكان المناطق الشمالية، العرب في الغالب، وبين سكان المناطق المسماة آنذاك “أفريقيا السوداء”. سمى الفيلسوف الألماني جورج هيغل القسم الشمالي من القارة “أفريقيا الأوروبية” كي يقرن موروث مصر الثقافي بأوروبا، وذلك مقابل نفيه القاطع أن تكون أفريقيا جزءاً من حركة التاريخ. ويسهم الاستخدام المستمر لهذا التمييز في الإبقاء على انقسامات [الى قسمين] لا مبرر لها حول القارة في المخيلة العالمية.

كذلك تتمكن أفريقيا أيضاً من الوجود خارج الزمن، فهي القارة الوحيدة التي يرضى فيها الباحثون في تاريخها ومؤرخوها في اختزالها إلى ثلاث حقب لا أكثر، حقبة مديدة ما قبل الاستعمار، والحقبة الاستعمارية القصيرة نسبياً، وحقبة ما بعد الاستعمار المتواصلة إلى اليوم. نتيجة لهذا فإن الخوض في التاريخ الأفريقي يتمحور في العادة حول الغزو الأوروبي لمعظم القارة الأفريقية في أواخر القرن الـ 19. يمكنكم مقارنة هذا الفهم للماضي الأفريقي بما يعادله في الجانب الأوروبي، فالباحثون في الحال الأخيرة يقومون بتقسيم التاريخ الأوروبي إلى حقب كثيرة من العصور الكلاسيكية القديمة إلى ما يسمى القرون المظلمة والقرون الوسطى وعصر النهضة وإلى ما هنالك. ولا أحد يقدم ببساطة على تحقيب التاريخ الأوروبي من زاوية الاستعمار، فيما تمثل أفريقيا في المقابل الأرض التي نسيها الزمن، التي لم تنجر إلى مسيرة التاريخ إلا من خلال لقائها مع أوروبا.

ومن النتائج التي لا يمكن إنكارها لهذه الطريقة في التفكير هي الحذف شبه الكامل لأفريقيا من حوليات التاريخ العالمي وحياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية ومساهماتها الفكرية وسيرة مفكريها من سجلات التاريخ العالمي، لذا فإن تحدي استرجاع أفريقيا وانتشالها من ذاك الحضور الأبكم [المطموس] مثل الحافز الأول في تأليف “ولادة في السواد أو الظلام” [من أصحاب السحنة السوداء]:  “ولادة في السواد أو الظلام: أفريقيا والأفارقة وصناعة العالم الحديث، الكتاب الأحدث للمؤلف والصحافي هوارد فرينش الصادر في 2021.

يقوم المؤلف بالجمع بين الأساليب الاستقصائية والوصفية التي يتمتع بها كمراسل متمرس وكثير الأسفار وبين المؤهلات البحثية التي حصلها بصفته أكاديمياً يتعامل مع المادة الأرشيفية. يرصد الكتاب العلاقات المعقدة بين الأفارقة والأوروبيين في القرون التي سبقت فرض الاستعمار المنهجي في نهاية القرن الـ 19 رافضاً كثيراً من أنماط الحكمة السائدة المتعلقة بتلك الفترة من التاريخ. ويسدد فرينش في مقاربته هذه على هدف أكبر من مجرد الإضاءة على ماضي أفريقيا، إذ إنه يبين في عمله البحثي أن أفريقيا لم تكن يوماً على هامش الأحداث التاريخية، بل هي المكان الذي ولد فيه العالم الحديث.

أفريقيا في نواة العالم

لا تلعب أفريقيا سوى دور محدود في القصة التقليدية لنشأة العالم الحديث. أدت الحاجة لاكتشاف طرق تجارية بديلة إلى آسيا إلى دفع رحلات الاكتشاف الأوروبية في القرن الـ 15وما تلاه. اكتشف الأوروبيون الأميركيتين من طريق الصدفة، وبدأ العصر الحديث بالنشوء من هناك. الإبادة الجماعية للشعوب الأصلية وتوسع الاستعمار الاستيطاني وتنمية تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي وصعود الرأسمالية والثورة الصناعية التي ولدتها والإمبريالية التي حولت أوروبا إلى قوة اقتصادية عالمية. على أن الوقائع في أفريقيا لا تتوافق مع هذه السردية حتى نمو تجارة الرقيق، فتظهر إذاك القارة الأفريقية في مسار الأحداث كمصدر للهيئات التي تم وضعها للعمل من أجل خلق ثروة هائلة.

وفرينش يسعى إلى تعديل هذه السردية، إذ إن أفريقيا لم تكن مجرد مسرح للهيمنة الأوروبية وتفصيلاً هامشياً في قصة قيام الإمبراطوريات البحرية والشبكات الدولية، بل كانت مركزاً لقصة أكثر تعقيداً وتشابكاً، إذ إن “الدافع الأول لعصر الاستكشافات لم يتمثل بتوق أوروبا إلى إقامة روابط مع آسيا، كما تعلم كثيرون منا في المدارس الابتدائية”.

يكتب فرينش، “بل ذاك الدافع كان رغبة عمرها قرون تهدف إلى إقامة روابط تجارية مع مجتمعات سوداء أسطورية الثراء ومنزوية في مكان ما بقلب أفريقيا الغربية [الأشد سواداً]”. وقد أبحرت الحملات الاستكشافية البرتغالية والإسبانية على طول ساحل غرب أفريقيا في القرن الـ 15 بحثاً عن الذهب، وبذلك نسفوا بعض الأساطير التي أحبطت الاستكشافات ووصلت إلى رأس الرجاء الصالح سنة 1488. وقد اعتمد كل من كريستوفر كولومبوس وبارتولوميو دياز، وهما من أشهر بحارة أيبيريا [شبه الجزيرة الإيبرية] على المعرفة والمهارات التي تراكمت بفضل تلك الرحلات للقيام برحلتيهما إلى الأميركيتين.

ويذكّر فرينش القراء بأن أفريقيا لم تكن يوماً معزولة عن باقي العالم، وفي الواقع ظهرت بوضوح في المخيلة الأوروبية كمكان لثروات عظيمة، وقد شاعت أسطورتها بفضل رحلة الحج الاستثنائية (والمسرفة) إلى مكة التي قام بها مانسا [كانجا] موسى، ملك مالي الذي سافر إلى مكة المكرمة سنة 1324 في موكب محمل بالذهب ضم 60 ألف شخص، وقام بتوزيع العطايا في كل محطة حل فيها بطريق رحلته. (ويظهر أنه ترك ثروة كبيرة في القاهرة كي يتسنى لتجار تلك المدينة التعامل مع حال التضخم الاقتصادي الناشئة على مدى أكثر من عقد). في سنة 1471 جمع البرتغاليون الذهب في إلمينا على الساحل الجنوبي لغانا الحديثة، وفي غضون عقد من الزمن بنوا هناك حصناً ما زال قائماً حتى اليوم.

ويعتمد فرينش على مواد مذهلة استقاها من مجموعات أرشيف كثيرة حول العالم، ويبرز مثلاً عبر الأمر الاستثنائي الذي يبينه كتاب صلوات مسيحي نشر بلغة الـ “بانتو” السائدة في كيمبوندو بليما في القرن الـ 17 عينة من الأدوار الفعالة التي لعبها الأفارقة في غزو أميركا اللاتينية وفي تحولاتها، إضافة إلى منحى “التحويل الكريولي” المتمثل بالتفاعل والاختلاط بين الثقافات والهويات وقيام ثقافات وهويات جديدة، والذي يعتبره فرينش واحداً من الأركان التي يقوم عليها العالم الحديث. وتأتي التفاصيل التي يدرجها “كاشفة” لخفايا على غرار سرده كيف شق البحارة البرتغاليين طريقهم شرقاً على طول الساحل الأفريقي متعاملين مع مكونات سياسية معقدة، مثل مملكتي بنين والكونغو، ويسهم التناول الدقيق الذي يقوم به فرينش لهكذا وقائع في إبراز مدى عمق فجوة غياب أفريقيا من السرديات التاريخية التقليدية.

وتكشف ديناميات هكذا تفاعلات بين الأفارقة وشركائهم من التجار الأوروبيين العديد من الأخطاء في أساليب التفكير النمطية الشائعة، من بينها الفكرة القائلة إن الأفارقة كانوا في تلك التفاعلات ضحايا بالدرجة الأولى، وهي وجهة نظر اعتمدها كثيراً دعاة تفكيك الاستعمار الذين يتصورون أن علاقات أفريقيا مع أوروبا كانت على الدوام محصورة بالتبعية والخضوع، بيد أن الأمر كان على عكس ذلك، إذ يرى فرينش أن الزوار الأوروبيين للبلدان الأفريقية، سواء كانت الأخيرة صغيرة أم كبيرة، غالباً ما تعاملوا مع مضيفيهم الأفارقة بندية واحترام لسيادتهم، وذاك يشمل الفترة التي قادت إلى نشوء تجارة العبيد عبر الأطلسي.

ذاك النمط من الفوارق البسيطة والتفاصيل التاريخية قد يصعب الانتباه إليها بسبب المفاهيم المتكلفة ضمن مقاربات التاريخ الأفريقي، وهي مفاهيم تشمل كل ما حدث قبل أواخر القرن التاسع ضمن حقبة واحدة ضبابية لم يحصل فيها أي أمر ذي أهمية.

من أسواق العبيد إلى المقاهي        

لم تطلق أفريقيا شرارة “عصر الاستكشافات” الأوروبي وحسب، وهذه تسمية لطيفة وملتبسة لاستكشافات ورحلات قادت إلى حملات غزو وإبادة واسترقاق. يقوم فرينش هنا بإبداء وجهة نظر طموحة ضمن مقاربته، معتبراً أن المؤرخين بوسعهم أن يجدوا في تلك التفاعلات المبكرة بين الأوروبيين وأفريقيا أسس العالم الحديث، فالحداثة “ولدت في اللون الأسود [أبناء السحنة السوداء]” وفق ما يقول. ويظهر فرينش أن جميع المؤسسات والممارسات التي ترمز إلى الاقتصاد الحديث، ومصادر الثروة في أوروبا وأميركا الشمالية، ونشوء الأنماط الثقافية الأصيلة ذات الأهمية الشديدة في الحياة الحديثة، وذلك في نواح متنوعة تتضمن مجالات الدين والموسيقى والفلسفة والطعام، يمكن تعقبها جميعاً ورصد سوابقها في أفريقيا وفي العلاقات المبكرة بين الأفارقة والأوروبيين، إذ إن البرتغاليين مثلاً استخدموا جزيرة ساو تومي منذ قرابة مطلع القرن الـ 16 كي يطوروا نموذج الاقتصاد الزراعي أو اقتصاد المزارع الذي انتشر في ما بعد في أنحاء الأميركيتين.

كانت تلك الجزيرة أرضاً غير مأهولة وقد غدت قاعدة ومنطلقاً لحملات الإغارة بهدف استجلاب الرق من أفريقيا الداخلية والغربية، واستخدمت البرتغال حينها هذه الجزيرة كمكان لتجميع المدانين وآخرين من غير المرغوب فيهم، مثل اليهود الذين انضموا للعبيد الأفارقة للعمل في مزارع السكر الجديدة، وستغدو ساو تومي نتيجة لذلك سوقاً للعبيد وفرت اليد العاملة لمناجم الذهب في إلمينا، وفي ما بعد للأميركيتين.

وهكذا فإن النموذج الاقتصادي الذي أنتج الثروات لبلدان العصر الحديث الرئيسة في أوروبا الغربية والأميركيتين كان بني على الاستغلال المفرط للعمالة الأفريقية في أفريقيا بداية قبل أن “ينتشر بسرعة في العالم الجديد، بكل الفظاعة غير الإنسانية المتأصلة فيه”.

وفي أمكنة أخرى جاء استغلال العمالة الأفريقية ليؤدي إلى تطور أنماط ثقافية ما زالت سائدة وقوية إلى اليوم، فالعبودية لم تنتج فقط الأسس المادية لثروات العصر الحديث، بل كانت أيضاً أساساً في إنتاج القهوة والسكر. ووفق فرينش فإن أول مقهى في أوروبا الغربية ظهر في أوكسفورد سنة 1650. وقد أسهم “توفر مشروبات ساخنة مُحلات ومحفزة” في اجتذاب الناس إلى المقاهي في جميع أنحاء أوروبا، مما ساعد في قيام ثقافة المحاورة والنقاش التي ستقود في النهاية إلى نشوء “الحيز العام الحديث”.

هذا الكتاب استثنائي من دون شك ويغير مسار الأمور، لكنه أيضاً لا يخلو من بعض الثغرات. يتمثل الهدف الأساس لفرينش في إعادة الاعتبار لحضور أفريقيا وللدور الذي لعبته القارة في سردية أصول الحداثة ومصادرها، لذا فإنه من المفاجئ أو حتى من المستهجن أن لا يهتم الكاتب بما أسهم به مفكرون أفارقة في متن السجال حول الحداثة التي يقوم برصد جذورها، إذ في ما عدا الحكام والملوك الذين يعتبرهم حملة للواء التمثيل الأفريقي، يتخطى فرينش حقيقة قيام مثقفين أفارقة بالرد على الغزو والاستعمار الأوروبيين، وتلك المفارقة تبدو أعمق إزاء الدور الجوهري لغرب أفريقيا، بما فيه غانا الحديثة، في إنتاج بعض أهم الاستجابات الفلسفية والسياسية للحداثة، مثل دستور كونفدرالية فانتي الصادر سنة 1871، والذي يعد واحداً من أوائل الجهود خارج أوروبا والولايات المتحدة لوضع دستور ليبرالي.

يستحق دستور جمهورية ليبيريا مثلاً لفتة جدية في مقاربته نظراً لتبنيه شبه الكلي للمبادئ الأساس في دستور الولايات المتحدة الأميركية، وهذا الأخير الذي يعد بمثابة عريضة اتهام لفشل الولايات المتحدة الأساسي باحترام مُثلها حين يتعلق الأمر بمواطنيها السود.

وكان بوسع فرينش أيضاً أن يراجع ويستعرض مؤلفات الكاتب السيراليوني في القرن الـ 19 جايمس أفريكانوس بيله هورتون، والمفكر الليبيري (من ليبيريا) إدوارد ويلموت بلايدن، والقس الأميركي الأسود ألكسندر كروميل، الذين سعوا إلى إصلاح وإعادة صياغة المجتمعات الأفريقية، ووجهوا الاتهام للمستعمرين الأوروبيين من ناحية نفاقهم المتمثل في حجب مبادئ العصر الأساس عن الأفارقة: حق البشر في تقرير حياتهم وعدم الخضوع لأي حكم من دون موافقتهم. كتابات أولئك المؤلفين تضمنت مواقف كونية جريئة، وهي تبين أن الحداثة لم يضعها الأوروبيون وحدهم، بل أيضاً على الأفارقة.

أما الإسهام الأكبر لكتاب فرينش فيتمثل في طريقة إبرازه هذه النقطة الأخيرة، إذ قد تكمن بعض أسس العالم الحديث في عصر النهضة الأوروبية والإصلاح، إلا أن هذا العالم لم ينبثق كقطعة رداء واحدة ومتكاملة من أوروبا، فقد تطلب الأمر مثلاً ثورة في هايتي التي توجت بجلاء الفرنسيين من الجزيرة المذكورة سنة 1804، كي تصبح قيم الحرية والمساواة والأخوة (مبادئ الثورة الفرنسية) قيماً عالمية بالفعل، وغير مرتبطة بأعراق البشر. فالأفارقة والشتات الأفريقي لم يكونوا متفرجين وعابري سبيل في مسار التاريخ، بل أصحاب أدوار أساس في صياغة العالم الحديث.

خلال السنوات الأخيرة قام عدد متزايد من السياسيين وغيرهم من الشخصيات في أوروبا وأميركا الشمالية (غالباً من اليمين المعادي للمهاجرين) باستعادة كلام قديم من القرن الـ 19 يمجد فضائل “الحضارة الغربية” الاستثنائية، على ما يفترض، ويهين في المقابل ثقافات أمكنة أخرى من العالم، وهؤلاء يعتبرون الحداثة حقاً محصورة بمجتمعاتهم، فيما يصنفون أفريقيا كمكان تقليدي أو حتى “متخلف”. ومن جهة أخرى أيضاً، ووفق طريقتهم الخاصة، يقوم منظرو تفكيك الاستعمار المعادون للعنصرية بالنظر إلى العالم نظرة ثنائية. الأفارقة بحسبهم كانوا ضحايا دائمين لطمع الأوروبيين، وهم لا يزالون كذلك. فرينش في هذا الإطار يقدم نظرة مختلفة تماماً، إذ إن قروناً من التفاعل بين الأفارقة والأوروبيين، بحسبه، أظهرت أن الحداثة لا تنتمي إلى ثقافة معينة، بل هي إرث إنساني. وكتابه لا يسعى كثيراً إلى إعادة صياغة التاريخ الأفريقي بقدر سعيه إلى إعادة صياغة التاريخ العالمي وكيفية تخيل الناس لموقعهم في العالم.

———————————————-

*أستاذ الفكر السياسي الأفريقي ويشغل كرسي الدراسات الأفريقية ومركز الأبحاث في جامعة كورنيل. مؤلف كتاب جديد سوف يصدر بعنوانضد نظرية تفكيك الاستعمار: رؤية أعمق للدور الأفريقيAgainst Decolonisation: Taking African Agency Seriously.

مترجم من فورين أفيرز، مايو (أيار)\ يونيو (حزيران) 2022

المصدر: إندبندبنت عربية

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here