خطاب الكراهية وأثره على المجتمع السوداني/ عيسى مصطفى عثمان

0
229
عيسى مصطفى عثمان
بقلم/ عيسى مصطفى عثمان
لقد اثبت التاريخ ان وسائل الاعلام يمكن ان تحرض الناس على العنف. استخدم هتلر وسائل الاعلام لخلق نظرة عالمية شاملة لكراهية اليهود مع اعطاء افضلية “privilege” للجنس الآري على حساب بقية الاجناس البشرية. حث راديو “RTLM” الرواندي مستمعيها بالتقاط المناجل والسواطير والنزول إلى الشوارع لقتل ما أسماهم “الصراصير Cockroaches”، والنتيجة كانت تلك المجاز البشعة التي شهدتها العالم “. أعلن الرئيس السوداني عمر البشير عبر وسائل الإعلام سياسة “الأرض المحروقة Policy of scorched earth ” في دارفور والتي تسببت فى ارتكاب جرائم الحرب، جرائم ضد الانسانية، الابادة الجماعية، والكارثة الإنسانية التي وصفت بواسطة الامم المتحدة بأنها الأسواء لعقود.
اثناء ثورة ديسمبر 2019، وقُبيل فض اعتصام القيادة العامة، حرضت وسائل الاعلام ومعها الكثير من فئات المجتمع السوداني الاجهزة الامنية والسلطات للقضاء على تجمع ثوار كولومبيا في الخرطوم، باعتبار انهم يمثلون بؤرة للمخدرات والفساد. حيث كانت مجزرة كولومبيا مدخلاً لمجزرة اخري كبيرة، وهي مجزرة القيادة العامة او ما عرفت في وسائل الاعلام الغربية بمجزرة الخرطوم في الثالث من يونيو 2019. التسجيل المسرب في باهة المحكمة لمحمد شوكت، محامي عبد الرحيم محمد حسين في حديث جانبي له مع زميله أبوبكر عبد الرازق، وهو حديث عنصري وتحريضي ضد مدير التلفزيون السابق الاستاذ/ لقمان محمد احمد بوصفه (بالعب اب نخرين) وسب الديانة له وما شاكلها من خطابات النخب تجاه فئات بعينها.
ان خطاب الكراهية في المجتمع السوداني ليس بجديد، بل مارسته الدولة السودانية نفسها عبر مؤسساتها وقياداتها وما حديث الرئيس السودانى المخلوع عمر البشير عن الغرباوية ببعيد. مع ذلك سيظل الخطاب الذي نشاهده ونسمعه اليوم من النشطاء السودانيين من عنف لفظي ومبررات رفض الاخر، والذي يتسم بالتنميط أحيانا في وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك، تويتر وكلوب هاوس، هو امر مشابه لتلك الخطابات التي دائما تسبق الصراعات العنيفة.
وسائل الإعلام لها تأثير حاسم في التعرف على الصراع والوعي به من خلال تشكيل القصص التي يسمعها ويشاهدها الناس. وفقًا للمبدأ الإعلامي المعروف عن الصراعات هو “إذا كان ينزف فهو يقود If it bleeds it leads”، مما يعني أن الصراع سيكون على رأس أولويات الأخبار الرئيسية بدلاً من التركيز في منعه. يمكن أن يكون تأثير وسائل الإعلام إيجابيًا من خلال ثلاث مراحل رئيسية للصراع: مرحلة ما قبل العنف حيث يكون الهدف هو منع اندلاع العنف المسلح؛ مرحلة العنف للحد من العنف المسلح أو إنهائه؛ وأخيرًا مرحلة ما بعد العنف حيث يلزم تعزيز بناء السلام والمصالحة.
قد يكون هناك خطابا سياسيا خشناً نوعاً ما، بعد إي تحول سياسي ناتج عن الصراعات المسلحة او سقوط حكم عسكري دكتاتوري او انظمة شمولية في اي بلد. ولكن من غير المقبول ان يتحول هذا الخطاب العنيف المتسم بالعنف اللفظي ورفض الاخر الى استهداف مكونات اجتماعية بعينها بسبب انتمائها الجغرافي او الاثني او ان ثلة قليلة من أبناء المكون المعين هم قادة في السلطة السياسية او زعماء حركات تحررية او رؤساء أحزاب سياسية لها اسهاماتها في تاريخ السودان الحديث اختلفنا او اتفقنا حوله. خطاب الكراهية سيساهم في تهديد السلم الاجتماعي، تقسيم المجتمع وبث قيم العنصرية فيه، وهذه بدورها قد تؤدى الى ارتكاب مذابح وحروب أهلية جديدة مثلما حدثت في مناطق كثيرة من العالم مثل رواندا ودارفور. 
العوامل الاقتصادية والسياسة والثقافية والتي كانت عبارة عن امتيازات حصرية لسكان وسط السودان، لعبت دورا حاسما في خلق خطاب الكراهية وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي. خطاب يقوده بعض أبناء المركز ويتمحور حول المحافظة على الامتيازات التاريخية للنخب التي سيطرت على الاقتصاد والسياسة زهاء الستين عاما من استقلال السودان. لذلك تململت هذه النخب بعد التحولات السياسية التي حدثت بعد سقوط نظام الإنقاذ والتي افرزتْ واقعاً سياسياً وامنياً واقتصادياً جديدا. بالإضافة لعملية سلام جوبا بين حركات الكفاح المسلحة والحكومة السودانية وما تلتها من تحالفات هنا وهناك، ساهمت في تقليص هذه الامتيازات التاريخية. ومن جانب اخر يقود بعضا من ابناء الهامش خطاب الكراهية ضد المركز من منطلق ان زمن احتكار السلطة والثروة قد ولى بلا رجعة، ويجب ان يتقاسم جميع أبناء السودان السلطة والثروة بالتساوي دون اقصاء لاحد مع الوجود المربك لمليشيات الجنجويد فى المشهد وسيطرتها علي مفاصل الدولة الاقتصادية والامنية.
ولكن السؤال الجوهرى هو، هل هنالك إية جهود بذلت من اجل وقف خطاب الكراهية في الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وخاصة من مؤسسات الدولة وقياداتها؟ لمواجهة واحتواء خطاب الكراهية يجب علي الدولة ان تقوم بواجباتها وذلك بسن تشريعات وقوانين ووسائل تطبيقها بجانب برامج التوعية والتعليم وتثبيت مبادئ العدالة والمساواة والحرية في المجتمع. وكذلك تقوية تنظيمات المجتمع المدني ونقابات العمال لتتولى هي الأخرى قيادة حركة السلم والامن المجتمعي وبث روح التصالح وقبول الاخر من خلال الندوات، البحوث، ورش العمل، والمناهج التربوية والتعليم. تقدم وتطور الشعوب لا يتم ببث الكراهية وروح السلبية بين مكوناتها وإنما بالتفكير الايجابي الذي يخلق وعيًا كليًا يساهم في الابتكار والابداع والإنتاج في كل مناحي الحياة. ولكي يحدث ذلك كله، يجب ان يسقط النظام العسكري الانقلابي الدكتاتوري المتسلط لتحل محله دولة تحترم مبادئ العدالة والمساواة بين شعبها وتفسح المجال لعملية التحول الديمقراطي السلمى فى السودان.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here