الملامح العامّة للتّرتيبات الأمنيّة في مفاوضات السّلام ما هي؟ وما أهمّيتُها؟ وكيف يمكن إنجازُها على الوجه الأكمل؟

0
122
دكتور/ محمد جلال هاشم

محمّد جلال أحمد هاشم/ جوبا ـــ 1 أبريل 2021م

بعد التّوقيع على إعلان المبادئ بين الحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان ــــ شمال بقيادة القائد عبد العزيز الحلو وحكومة السّودان الانتقاليّة بقيادة الفريق عبد الفتّاح البرهان في يوم 28 مارس 2021م، من المفترض أن تبدأ المفاوضات لمناقشة الملفّة بحسب التّرتيب الذي كان الطّرفان قد اتّفقا عليه يوم 18 أكتوبر 2019م على النّحو التّالي: أولاً، الملف السّياسي (ويشمل جذور الأمزمة وعلاقة الدّين بالدّولة وهويّة البلاد وتفكيك التّهميش). ثانيا الملف الإنساني وقد حُسم هذا الملف خارج طاولة المفاوضات عندما سمحت حكومة السّودان الانتقاليّة (ممثّلةً في رئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك) بعبور المساعدات الإنسانيّة من أيّ نقطة خارج البلاد ومباشرةً إلى معسكرات اللاجئين بدولة جنوب السّودان ثمّ إلى الأراضي المحرّرة.

ثالثا، التّرتيبات الأمنيّة بما يشمل مصير القوّات النّظاميّة لدى الطّرفين، وهو موضوعنا الذي سوف نتناوله الآن. هذا المقال عبارة عن مجتزأ من الفصل الحادي عشر من كتابنا قيد الصّدور: منهج التحليل الثّقافي: ظاهرة الثّورة والدّيموقراطيّة في السّودان (الطّبعة التّاسعة، 2021م). ما هي التّرتيبات الأمنيّة؟ التّرتيبات الأمنيّة هي آخر مراحل اتّفاقيّات السّلام الرّامية إلى وقف حالات الحرب الأهليّة، وبدونها لا يمكن لأيّ اتّفاق سلام أن يحقّق وقف الحرب الأهليّة.

ليس هذا فحسب، بل إنّ أفضل الاتّفاقات يمكنها أن ترتدّ مرّة أخرى إلى حالة الحرب في حال لم يكن اتّفاق التّرتيبات الأمنيّة قد تمّ إنجازُه بنفس درجة الكفاءة التي حُسمت بها اتّفاقات القضايا السّياسيّة والاجتماعيّة والتّنظيميّة الأخرى. ومسألة التّرتيبات الأمنيّة هي عمليّة فنّيّة بحتة، لا مجال فيها للمساومة أو المزايدة، أو المغالطة. ومع هذا، هناك بالطّبع عدّة طرق لتحقيق اتّفاق التّرتيبات أمنيّة، منها ما يقوم على التّراضي والثّقة المتبادلة، ومنها ما يقوم على التّناجز، بطريقة «هذه بتلك» tit for tat.

ولهذا يفترض أن تقوم بنود اتّفاق التّرتيبات الأمنيّة على نقاط لا تضع بالاً على الثّقة المتبادلة من عدمها، ثمّ بعد ذلك يُترك أمر التّنفيذ للثّقة المتبادلة، إن كانت هناك ثقة. وإنّما لهذا، عادةً ما تُترك المفاوضات حول التّترتيبات الأمنيّة لنهاية ىالعمليّة التّفاوضيّة. أدناه سوف نستعرض باختصار نرجو ألاّ يكون مخلاًّ الملامح العامّة للتّرتيبات الأمنيّة في أفضل حالتها الافتراضيّة. التّرتيبات الأمنيّة عمليّة فنّيّة بحتة تتعلّق بصورة أساسيّة بالاتّفاق على ما سيئول إليه مصير القوّات النّظاميّة في الجانبين (جيش وشرطة وأمن الحكومة في جانب وجيش وشرطة وأمن حركة التّحرير في الجانب الآخر).

وقد يستغرب البعض إدراجَنا لقوّات الحكومة تحت ظائلة التّرتيبات الأمنيّة. إلاّ أنّ هذه حقيقة! فمثلاً، يمكن أن يتمّ الاتّفاق على مراجعة الرّتب العليا في جيش الحكومة بحيث لا تتجاوز(بعد الدّمج) رتبة اللواء؛ كذلك التّسميات، مثل هل نسير على «لواء ركن»،أم نعود إلى «لواء أركان حرب» . وكذلك مراجعة المقرّرات الدّراسيّة في الكلّيّة الحربيّة … إلخ.ففي حالة حركات التّحرير المسلّحة التي لديها أراضي محرّرة تخضع لسلطتها (كحالة الحركة الشّعبيّة لتحرير السّودان ــــ شمال حيث لديها أراضي محرّرة بجبال النّوبة وإقليم الفونج بها إدارات مدنيّة وقضائيّة وقوّات نظاميّة إلخ) يُتوقّع منها أن تكون لديها قوّات شرطة وأمن تعمل قدماً بقدم مع باقي الننّظُم العدليّة القضائيّة. وهذا يعني بالضّرورة أن.

وتختصّ التّتريبات الأمنيّة بأمرين هامّين على أقلّ تقدير، فيما يتعلّق بكلا قوّات الحكومة والحركة المسلّحة. الأول هو دمج القوّات Integration of Forces (جيشاً وشرطةً وأمناً)؛ وثانيهما تسريح القوّات Demobilization of Forces (جيشاً وشرطةً وأمناً). ويعني هذا، أوّلاً، الاتّفاق على معيار أدائي وهيكلي للقوّات النّظاميّة المراد الخروج بها من عمليّة التّرتيبات الأمنيّة. عليه، فالتّرتيبات الأمنيّة لا تختصّ فقط بجيش الحركات المسلّحة التي حاربت الحكومة، بل تختصّ بالقوّات النّظاميّة في الجانبين.

هذا وإن كان الجيش في كلا الجانبين يمثّل حجر الرّحى في عمليّة التّرتيبات الأمنيّة، ذلك بوصفه رأس الرّمح في الحرب مناط السّلام. وإدراجُنا هنا لقوّات الحكومة النّظاميّة تحت طائلة التّرتيبات الأمنيّة تقتضيه حقيقة أنّ هذه القوّات نفسها تكون خاصعة لعمليّة الدّمج حتّى لو كانت هي الجسم الذي ستندمج فيه قوّات الحركات المسلّحة. ذلك لأنّ عمليّة الدّمج هذه تقتضي، على أقلّ تقدير، أمرين هامّين، أوّلُهما هو إعادة ترتيب البيت الدّاخلي أدائيّاً وبنائيّاً لاستقبال القوّات المُدمجة. وثانيهما هو احتمال تسريح عدد معتبر من قوّات الحكومة النّظاميّة، أوّلاً لإفساح المجال للقوّات المُدمجة؛ وثانياً استغناءً عمّن لا يخضع لشروط الأهليّة وفق اتّفاق التّرتيبات الأمنيّة في كلا القوّات النّظاميّة. وهذا هو مربط الفرس فيما يلي فريق الوساطة في عمليّة الاتّفاق على التّرتيبات الأمنيّة. وبالطّبع، ينبغي لهذه العمليّة أن تؤدّي إلى تسريح عدد كبير من القوّات بالجانبين وإدراجهم في برنامج تخديم مدني، ذلك في حال ثبوت انعدام الكفاءة العسكريّة لديهم في أدنى حالاتها المطلوبة.

بمجرد الفراغ من الاتّفاق على كلّ الملفّات والبروتوكولات، تقوم الوساطة (بموافقة طرفي التّفاوض) بتشكيل فريق فنّي دولي تقوده الوساطة ويشارك فيه طرفا التّفاوض، مهمّته هو التّحقّق من حالة القوّات النّظاميّة لدى طرفي التّفاوض، ويمكن تسميتُه بعدّة طرق، لكن بما يعني (فنّيّاً) «فريق التّقييم الفنّي العسكري الدّولي» International Technical Assessment Military Team (اختصاراً «فريق التّقييم العسكري» Military Assessment Team). بعد هذا تُقبل الوساطة إلى طرفي التّفاوض لاجتماع حاسم فيه يتم، أوّلاً، تحديد وأنواع حجم القوّات النّظاميّة لدى كلّ طرف بحسب ما يزعمانه.

ثانياً يتمّ تحديد مستوى الكفاءة المراد تحقُّقُها في القوّات النّظاميّة المتمخّض عن عمليّة الدّمج، ما يضع المعايير اللازمة للتّسريح لاحقاً.يقوم فريق التّقييم العسكري بزيارات عمل ميدانيّة للقوّات النّظاميّة التي أعلن عنها كلّ طرف تفاوضي للتّحقّق من وجود هذه القوّات على الأرض. ولكن نسبةً لحساسيّة الوضع الأمني الوطني لجيش الحكومة، يمكن أن يتّفق الطّرفان مع لجنة التّقييم العسكري على أن تُقبل التّقارير التي يرفعها وفد الحكومة بخصوص قوّاتها النّظاميّة، على أن تقوم قيادة الحركة ىالمسلّحة من التّحقُّق من هذه التّقارير أثناء فترة وعمليّة الدّمج. إلاّ أنّ عمليّة التّحقُّق هذه تكتسب أهمّيّة قصوى في حال الحركات المسلّحة، ذلك لأنّها بحكم طبيعتها ليس مطلوباً منها التّقيّد بالنّظم الهيكليّة للقوّات النّظاميّة، أللهمّ إلاّ حركات التّحرير كما أشرنا سابقاً. وهذه نفسها تحتاج للتّحقّق منها.عادةً ما تتكون تراتبيّة الجيوش Army Hierarchy، من أدنى هرمها إلى أعلاه، جانباً عن الجنود وصفّ الضّبّاط، من فصيلة Platoon ويقودها من ملازم Lieutenant إلى نقيب Captain، وتتكوّن من 26 إلى 55 جندي، تعقبها سريّة Company ويقودها من نقيب إلى رائد Major، وتتكوّن من 2 إلى 8 فصائل، ما يعني عدديّاً من 80 إلى 255 جندي.

بعدها تأتي تشكيل الكتيبة Battalion ويقودها من رائد إلى عقيد Colonel، ما يعني من 2 إلى 6 سرايا، وتعني عدديّاً من 300 إلى 1300 جندي. ثمّ تأتي بعد هذا تشكيلة الفوج Regiment ويقوده من مقدّم Lieutenant Colonel إلى عميد Brigadier، ما يعني عدد كتيبتين فأكثر، وعدديّاً من 1300 إلى 3000 جندي. بعدها يأتي اللواء Brigade ويقوده من عقيد Colonel إلى عميد Brigadier، ما يعني من 3 – 6 كتائب، وعدديّاً من 3000 إلى 5000 جندي.

ثمّ تأتي بعده الفرقة Division ويقودها عميد Brigadier أو لواء Major General، ما يعني من 2 إلى 4 ألوية، وعدديّاً من 10000 إلى 30000 جندي. بعدها يأتي الفيلق Corps ويقوده لواء Major General أو فريق Lieutenant General، ويتكوّن من فرقتين فأكثر، وعدديّاً من 40000 إلى 80000 جندي. ثمّ أخيراً وليس آخراً تأتي تشكيلة الجيش Field Army ويقوده فريق أو فريق أول First Lieutenant General، ويتكوّن من 2 – 4 فيالق، وعدديّاً من 100000 إلى 200000 جندي. بالطّبع هناك تشكيلات تأتي فوق فوق هذه الهرميّة، منها، على سبيل المثال رتبة المشير Field Marshall، إلاّ أنّنا سوف نصرف عنها النّظر بحكم أنّ الأجسام العسكريّة التي تعنينا هنا هي تلك الخاصّة بالحركات المسلّحة التي نادراً ما تتجاوز قمّة تراتبيّتها رتبة الرّائد أو المقدّم، ما لم يكن ذلك من قبيل تضخيم الذّات وهذا عين ما ينبغي لعمليّة التّرتيبات الأمنيّة أن تقوم بضبطه وإلزامه درجاته التي يستحقُّها. وبالطّبع، كلّ تشكيلة عسكريّة من التّشكيلات أعلاه لها عدد متراوح من الضّبّاط بمختلف رتبهم بحسب التّشكيلة، بجانب صفّ الضّبّاط، ثمّ الجنود.

عليه، تقوم لجنة التّقييم العسكري بقبول التّقرير الذي يرفعه كلُّ طرف من أطراف التّفاوض بخصوص حجم الجيش الذي يملكه. وكما قلنا، قد يُتّفق على قبول ما يقول به الطّرف الحكومي على علاّته لأسباب تتعلّق بالسّيادة وسرّيّة الشّئون العسكريّة، هذا مع ضمان إجراءات التّحقّق لاحقاً لدى الشّروع في عمليّات الدّمج. وبالمناسبة، كلّما قام الوفد الحكومي بتضخيم حجم جيشه، كلّما كان هذا لفائدة القوّات التي من شأنها أن تندمج فيه؛ وكذلك كلّما قام بالتّقليل من حجم قوّاته كان هذا سبباً في خلق مشاكل قد تُفضي لاحقاً إلى إفشال اتّفاق التّرايبات الأمنيّة من أساسه. فهذا سيكون أشبه بأن تقوم بإضافة سطل ممتلئ من الماء إلى سطل آخر ممتلئ بالماء بدوره. هذا من جانب تقارير الوفد الحكومي عن حجم الجيش.أمّا من ناحية حجم الجيش الخاص بالحركات المسلّحة، أو حركات التّحرير المسلّحة، فإنّ لجنة التّقييم العسكري قد لا تقبل بتقرير مكتوب منها في هذا الشّأن فحسب، بل تصرُّ بأن تقوم بزيارة هذه القوّات في مكانها. وبالطّبع، لا يمكن لأيّ حركة مسلّحة أن تمتلك قوّات مسلّحة دون أن تكون لها أرض محرّرة (مهما صغُرت مساحتُها) تحتفظ فيها بهذه القوّات. وبالطّبع، يصعب أن يُقبل من أيّ حركة الزّعم بعدم إمكانيّة زيارة قوّاتها على الأرض للتّحقّق من وجودها. وتكمن أهمّيّة هذه الضّرورة في أنّه لا يمكن التّحقّق من وجود جيش للحركة المسلّحة المعنيّة دون زيارة هذه القوّات على الأرض.

هذا بينما حقيقة امتلاك الدّولة (الطّرف الحكومي) لجيشها لا يمكن أن يغالط عليها إثنان.وعليه، إذا ذكرت الحركة المسلّحة المعنيّة أنّ لها كذا فصيلة، أوسريّة، أو كتيبة، أو حتّى فوج، أو لواء … إلخ، فهذا يعني، فنّيّاً، أن لديها كذا عدد من الجنود، ثمّ كذا عدد من ضبّاط الصّفّ، ثمّ أخيراً كذا عدد من الضّبّاط، كلٍّ بحسب ما تقتضيه التّشكيلة ومختلف الرّتب المطلوبة. ولذا يصبح من الضّروري التّحقّق والتّأكُّد من هذا على الأرض، وليس وفق التّقارير الورقيّة فقط. فمثلاً، إذا زعمت حركة مسلّحة بعينها أنّ لها 3 ألوية، فهذا يعني بالضّرورة أن تقع لجنة التّقييم العسكري، مثلاً، على ما لا يقلّ عن 9 ألف إلى 15 ألف جندي، وما لا يقلّ 200 صف ضابط، وما لا يقلّ عن 75 إلى 100 ضابط، أعلى ضباّطهم رتبة بدرجة العميد. فإذا وجدت لجنة التّقييم العسكريّة أنّ العدد الكليّ للجنود لا يتجاوز 2000 فقط، هذا بينما العدد الكلّي للضّبّاط هو 1000 ضابط، فعندها لن يكون هناك ما هو أيسر من الإشارة إلى وجه الخلل في هذا الجسم العسكري الذي لا يحتكم للقواعد العسكريّة الصّارمة المتعارف عليها. فهذا العدد من الجنود لا يسمح إلاّ بتشكيلة فوج Regiment واحد ليس إلاّ.

وعليه، إذا وجد فريق التّقييم العسكري، عند التّحقّق، أنّ هذه الحركة المسلّحة لا تملك، من ناحيّة فنّيّة بحتة، إلاّ عدد 1200 جندي فقط يمكن اعتمادهم كجنود مؤهّلين للجنديّة، فعندها يمكن بكلّ سهولة ويسر أن تُشير اللجنة إلى أنّ هذه الحركة المسلّحة لا تملك في حقيقة أمرها إلاّ تشكيلة كتيبة واحدة Battalion فقط، ما يعني دمجَهم مع تسريح العدد الباقي إمّا للمعاش أو باستيعابهم في وظائف مدنيّة بحسب قدرات كلّ فرد على حدة. أمّا بخصوص الضّبّاط البالغ عددُهم 1000، فنفس الأمر سينطبق. فبما أنّ حجم القوّة الحقيقيّة هو مجرّد كتيبة Battalion، فهذا يعني ألاّ تتجاوز أعلى درجة للضّبّاط رتبة العقيد، بجانب 3 ضبّاط برتبة رائد، ثمّ 5 إلى 7 ضبّاط برتبة نقيب، وأخيراً 10 إلى 12 ضابط برتبة الملازم، بجانب ما لا يزيد عن 20 صفّ ضابط (هذا في أكثر الحالات تسامحاً). وطبعاً هذا نفسه سوف يتمّ التّوصّل إليه بعد أن يخضعوا جميعُهم (الألف ضابط) إلى التّحقّق من أعمارهم، مقابل مستوى تعليمهم، مقارنةً بالتّدريب العسكري الفنّي المتوجّب توفُّرُه في كلّ ضابط بحسب الرّتبة التي ينتسب إليها. وهذا يعني أن يتمّ تقليص عدد الضّبّاط من 1000 ضابط «خلا» إلى 30 ضابط فقط ما بين رتبة العقيد إلى الملازم، بجانب 20 صف ضبّاط، أي فلنقل 50 للممجموع الكلّي للضّبّاط وضبّاط الصّف. هذا يعني أن يذهب 950 من عدد الألف ضابط إمّا للتّسريح أو أن يقبلوا بأن يشكّلوا كتيبة Battalion أخرى، ما يعني أن يتمّ تركيز العدد الكلّيّ (في أفضل الأحوال) لجيش الحركة المسلّحة إلى كتبيتين، بواقع عدد 1000 جندي لكلّ كتيبة، بما لا يتجاوز عدد 40 ضابط وضابط صف لكلٍّ منهما، ما يعني أنّ العدد الكلّي هو كتيبتان بعدد كلّي هو 2400 جندي وصفّ ضابط وضابط. ويعني هذا أن عدد المدموجين هو 2400، بينما عدد المسرّحين هو 600 شخص ما بين جندي وضابط صف وضابط من ملازم إلى عقيد. هذا تصوير نموذجي لعمليّة التّرتيبات الأمنيّة وهي في أفضل أحوالها، ما يعني أنّ هناك حالات تقف على النّقيض من حيث فشلها وإخفاقها. نموذج لترتيبات أمنيّة غير حقيقيّة (اتّفاق جوبا للسّلام أكتوبر 2020م)هذا نموذج صارخ لاتّفاق ترتيبات أمنيّة لا علاقة له بالمرّة بمفهوم التّرتيبات الأمنيّة، لا من قريب ولا من بعيد. وما إشارتُنا لهذا الاتّفاق إلاّ من باب ضرب مثل حيّ كيف يمكن للفشل في عقد اتّفاق ترتيبات أمنيّة حقيقيّة وفعليّة أن يؤدّي إلى تهديد حياة النّاس بطريقة يمكن أن ينتهي إلى حالة الحرب.

أيّ أن يتحوّل اتّفاق السّلام المزعوم إلى مقدّمة نحو إندلاع الحرب. وهذا أسوأ ما يمكن أن ينتهي إليه أيّ اتّفاق سلام بصورة عامّة، ثمّ أيّ اتّفاق ترتيبات أمنيّة بصورة خاصّة. ونحن هنا لسنا بصدد التّطرّق لاتّفاق السّلام الذي تمّ توقيعه بين فصائل «الجبهة الثّوريّة» من ناحية وبين حكومة السّودان الانتقاليّة من ناحية أخرى. فكلُّ ما سنحاول أن نتطرّق إليه هو اتّفاق التّتريبات الأمنيّة الذي انتهى إلى نقطتين هامّتين بخصوص ما ستؤول إليه قواّت الحركات المسلّحة في الجبهة الثّوريّة. النّقطة الأولى هي أن تكون هناك «نقاط تجميع» لتلك القوّات، يُقبل فيها أيّ شخص يقوم بالتّبليغ في تلك النّقاط وهو يحمل سلاحاً (من المسدّس إلى الأسلحة الثّقيلة)، ليُعلنأنّه ينتمي للحركة الفلانيّة من حركات الجبهة الثّوريّة. النّقطة الثّانية هي أن تقوم الحركات المسلّحة المهتمّة بالشّأن الدّارفوري بتشكيل قوّة من 10 ألف جندي مقابل قوّة بنفس هذا الحجم تقوم الحكومة بتشكيلها، وتسمّى «قوّة حماية السلام والمدنيّين» بدارفور. وللعلم هذه الحركات الدّارفوريّة هي وحدها التي زعمت عمليّاً بامتلاك قوّات مسلّحة، بحكم اختصاصهما بهاتين النّقطتين، دون الحركات الأخرى المنضوية في الجبهة الثّوريّة التي ادّعت حمل السّلاح دونما أيّ ترتيبات أمنيّة حقيقيّة خاصّة بها.لدى تحليلنا للنّقطة الأولى، يمكن أن نخلص بسهولة ويسر إلى أنّ هذه الحركات لمتكن تملك قوّات حقيقيّة على الأرض، وإلاّ كان من الممكن التّحقّق من زيارتها من قبل فريق فنّي عسكري. وعليه، فإنّ نقاط التّجمّع لم تكن شيئاً سوى نقاط للتّجنيد. وقد أجرت قناة الشّروق (برنامج أجندة السّاعة) لقاءً مع كاتب هذه السّطور في يوم 7 سبتمبر 2020م بخصوص اتّفاق جوبا للسّلام مع الجبهة الثّوريّة قبل حوالي الشّهر من التّوقيع عليه (https://www.youtube.com/watch?v=gdFib4OlqJ4)، فذكر بوضوح أنّ ملف التّرتيبات الأمنيّة لا علاقة له بالتّترتيبات الأمنيّة، بل هو فقط مشروع للتّجنيد وتكوين جيوش خاصّة بتلك الحركات التي جاءت إلى مفاوضات السّلام وهي لا تملك أيّ قوّات مسلّحة على الأرض. تأكيداً لهذا طالعتنا الصّحف والوسائط الاجتماعيّة آخر مارس 2021م بخبر مفادُه: (مجلس الأمن والدفاع يأمر الحركات المسلحة بوقف التجنيد وإفراغ العاصمة من مسلحيها)، جاء فيه نصّاً عن اللجنة الأمنيّة السّودانيّة ما يلي: «اللجنة قرّرت إيقاف التّجنيد والاستيعاب السّياسي الذي تقوم به حركات الكفاح المسلّح بمدن السّدان المختلفة إلى حين اكتمال تنفيذ بند التّرتيبات الأمنيّة» (لمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة: الأمّة برس، 31 مارس 2021م، الموقع الإليكتروني: https://thenationpress.net/news-99865.html).

وأوّل ما يعنيه هذا هو أنّ اتّفاقيّة جوبا للسّلام الموقّعة في أكتوبر 2020م لم تكن تشمل أيّ ترتيبات أمنيّة، أللهمّ إلاّ من حيث الكلمات التي تقف بلا محتوى ليناقضها الواقع كما سيأتي أدناه.أمّا النّقطة الثّانية فتعني أوّل ما تعنى أنّه لا يوجد أيّ اتّفاق ترتيبات أمنيّة بالمرّة. فطالما سيتمّ تشكيل قوّة مشتركة ما بين الحركات المسلّحة من جانب وجيش الحكومة السّودانيّة منجانب آخر، فهذا يعني بالضّرورة استمرار المرجعية الحركيّة التّنظيميّة للقوّات التي تنتمي للحركات المسلّحة. وهذا بدوره يعني بالضّرورة أن تستمرّ هذه الحركات بصفتها التّنظيميّة والسّياسيّة، بجانب احتفاظها بقوّاتها العسكريّة، ذلك طالما أنّ المرحعيّة القياديّة لعدد العشرة ألف جندي الخاصّ بهذه القوّات هي هذه الحركات المسلّحة. وهذا يعني عمليّاً أنّه لا توجد أيّ ترتيبات أمنيّة بالمرّة في اتّفاق جوبا للسّلام. لا غرو أن قامت حركات الكفاح المسلّح بنقض كلّ هذا والتّوجّه بكلّ قوّاتها التي قامت بتجنيدها بعد عقد اتّفاق السّلام إلى قلب العاصمة الخرطوم ليخوضوا فيها مع الخائضين من جيش إلى مليشيات الدّفاع الشّعبي ومليشيات الأمن الشّعبي ثمّ مليشيات الجنجويد المسمّاة بالدّعم السّريع. وفي الحقيقة أشار أكثر من مراقب إلى أنّ ما حدث كان مخطّطاً له أن يحدث وفق ترتيبات بين محمّد حمدان دقلو («حميدتي» رئيس وفد الحكومةالانتقاليّة لمفاوضات السّلام وقائد مليشيات جنجويد الدّعم السّريع في نفس الوقت). فقد كان كلّ همّه ومبتغاه من رئاسة وفد المفاوضات شيئان لا غير: الأول هو ألاّ تتمخّض المفاوضات عن أيّ مطالب تمسّ وجود أو تشكيل مليشيا الدّعم السّريع. ثانياً، أن تقوم هذه الحركات غير المسلّحة ببناء جيوش لها لتدخل بها الخرطوم حتّى لا تكون مليشيا الدّعم السّريع هي وحدها المتواجدة داخل الخرطوم، وهو ما كان يجد الاستنكار الدّائم. فحتّى وجود الجيش السّوداني في ىالعاصمة وخنقه لها من خلال تمركزه حول الكباري كان محل رفض واستنكار كبيرين لعقودوعقود.

فما بالُك بمليشيا متّهمة في أصولها السّودانيّة بمثلما متّهمة بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة حيثما حلّت؟ وعليه، فلتكثر المليشيات والجيوش في الخرطوم حتّى تضيع المطالبة بإخلاء العاصمة من مليشيا الجنجويد. وفي نفس الوقت كان حميدتي يخطّط، ولا يزال، أن يتّخذ من المطالبة بإفراغ العاصمة من هذه الجيوش مدخلاً لعقد تحالفات معها بوصفه حامي حماها الذي يقف في وجه الجيش السّوداني وقادته ضدّ أيّ مطالبات بإخراج هذه المليشيات من العاصمة.وبعد؛ هذا مثال حيّ لحالة ترتيبات أمنيّة ليست فقط فاشلة، بل معدومة. أكثر من ذلك أنّها تهدّد بنسف ما كان موجوداً من سلام واستقرار. وهذا يكشف لنا خطورة التّلاعب باتّفاقات السّلام، وإيكال أمرها لمن هم ليسوا في مستوى الكفاءة والمعرفة الفنّيّة، بجانب فقدانهم لأيّ حسّ وطني.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here