مفاوضات السلام ما بين مطرقة قحت وسندان الثورة المضادة! بقلم /صديق عبد الحفيظ فضل

0
72

خرجت خلال هذا الأسبوع بعض الاقلام الصحفية المأجورة والتي تعودت أن تهادن كل من يجلس في كرسي السلطة المركزية و في حملة منظمة وبتوافق تام مع قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية. خرجت هذه الأقلام في حملة إعلامية منظمة على الجبهة الثورية وعلى مفاوضات جوبا للسلام وفي سعي حثيث وتلفيق إعلامي لعكس صورة غير حقيقية لما يجري من تطورات حول آخر ملفات التفاوض وهو ملف القضايا القومية والسلطة المركزية.
وقبل البدء في تفنيد ما تبثه بعض هذه الأقلام ووسائل الاعلام في الميديا واحيانا في الاعلام الرسمي للدولة السودانية المركزية يجب علينا ان نسرد بعض الحقائق التي صاحبت ملف الثورة السودانية منذ انطلاقها وحتى توقيع الوثيقة الدستورية وتشكيل الحكومة الانتقالية في يوليو ٢٠١٩م تقريبا.

كلنا يعلم كيف انطلقت ثورة الشعب السوداني في ديسمبر ٢٠١٩م من الأقاليم في الدمازين وعطبرة ودنقلا والقضارف والفاشر لتصل ذروتها في اعتصام الشعب السوداني امام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم مرورا بإسقاط المخلوع البشير ومن بعده الفريق ابن عوف في زخم ثوري لم يحدث من قبل سوى في السودان او في بقية دول العالم التي اجمع معظمها على تفرد وتميز هذه الثورة السودانية ضد أعتى الديكتاتوريات العسكرية المؤدلجة في المنطقة الافريقية والعربية على السواء.
وبعد دماء سكبت وارواح أزهقت ودموع أزرفت تم التوقيع على الوثيقة الدستورية بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري والتي بموجبها تم تكوين الحكومة الانتقالية بمجلس وزراء مدني كامل تم تعينهم جميعا بواسطة قوى الحرية والتغيير ومجلس سيادي
تم تكوينه بغلبة مدنية ٦ أعضاء مدنيين مقابل ٥ عسكريين تم تعينهم بواسطة المؤسسة العسكرية .

ومنذ تكوين الحكومة الانتقالية أبدت الجبهة الثورية ترحيبها بكل هذه الخطوات ترحيبا كاملا وأعلنت استعدادها للمضي قدما في انها الحرب وتوقيع اتفاق سلام شامل وتاريخي يبدا السودان معه انطلاقته نحو البناء والتعمير أسوة بما حدث في كثير من الدول الافريقية المجاورة.
ودخلت بعدها الجبهة الثورية كشريك أساسي في تحالف الحرية والتغيير دخلت في مفاوضات استمرت على مدى ٣ أسابيع كاملة وتم بعدها توقيع أتفاق اديس ابابا بين الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير وبحضور الوسيط الافريقي وقيادات الحرية والتغيير من ممثلي أحزاب الامة والشيوعي والبعث بأنواعه وحزب التحالف السوداني والمؤتمر السوداني والتجمع الاتحادي الأصل وتجمع المهنيين ممثلا في سكرتاريته الرسمية في ذلك الوقت ولكن كما يعلم الجميع كيف أفشلت قيادات الحرية والتغيير هذا الاتفاق بعد رجوعها للخرطوم وأعلنت تنصلها من هذا الاتفاق الذي كان بمثابة شراكة حقيقية بين قوى تحمل السلاح وأخرى سياسية تضافرت جهودهما في اقتلاع النظام السابق.
وكان هذا النكوص عن اتفاق اديس ابابا بمثابة اعلان اول فشل للنخب السياسية السودانية داخل الحرية والتغيير كحاضنة أساسية للحكومة الانتقالية واعلانهم بصريح العبارة انهم في حل من اتفاق اديس ابابا مع الجبهة الثورية .

ولم تفقد الجبهة الثورية توازنها السياسي ممثلة في الحركات المسلحة والتنظيمات السياسية المتحالفة معها جراء هذا الخذلان والاخفاق السياسي الكبير لقوى الحرية والتغيير وانما أعلنت أسفها لهذا التراجع المريب لهذه النخب السياسية عن اتفاق كان بإمكانه ان يقوي من موقف الحكومة الانتقالية و يثبت من اقدامها بعد دخول حركات الكفاح المسلح كشريك معها ويخلق نوع من التوازن العسكري امام القوى الشريرة من قوى العسكر السودانية المشاركة لها خلال الفترة الانتقالية وبوصفها كشريك أساسي لها في الثورة السودانية.
وأعلنت الجبهة الثورية تجاوز هذا الإخفاق السياسي و المضي قدما الى الامام من اجل تحقيق السلام كأحد اهداف الثورة السودانية الثلاثة التي نادى بها الشعب السوداني في الشارع (حرية سلام وعدالة.)

بعدها وقعت الجبهة الثورية اتفاق اعلان مبادئ جوبا مع وفد الحكومة الانتقالية المكون من قوى الحرية والتغيير وبموافقة تامة من نفس القوى التي اجهضت اتفاق اديس ابابا. ووفقا لاتفاق إعلان مبادئ جوبا مع وفد الحكومة الانتقالية تم تحديد ٥ مسارات يتم عبرها التفاوض حول كل المطالب الإقليمية والمشاكل التاريخية لجميع انحاء السودان .
وانطلقت مفاوضات جوبا للسلام في وتيرة متسارعة حيث لم يمر وقت طويل حتى تم التوقيع مع ٣ من المسارات وهي الشمال والوسط والشرق مع حدوث اختراق سريع وإيجابي في مسارات الكفاح المسلح عبر مساري دارفور والنيل الأزرق بقيادة القائد عقار نتيجة للروح العالية والمتصالحة التي سادت هذه المفاوضات بين وفد الحكومة الانتقالية بشقيه المدني والعسكري وبين قيادات الحركات المسلحة والذين اكدوا انهم حقيقة يشعرون بانهم يتحاورون ولا يتفاوضون مرة وهم يشعرون بتجاوب الدولة المركزية السودانية سياسيا وعسكريا وبروح من الجدية والإلزام لم تكن موجودة في كل جولات مفاوضاتهم السابقة مع النظام المخلوع.
ورغم هذه الأجواء الإيجابية ووتيرة التسارع في المفاوضات فقد تأكد لنا ان هناك بعض القوى السياسية داخل الحرية والتغيير وكعادة النخب السودانية التي أدمنت الفشل كما وصفها الراحل المقيم د. منصور خالد هذه القوى بدأت في إرسال إشارات سالبة حول منبر جوبا بالرغم من التقدم والنجاح الذي تحقق.

وبعدها حاولت قوى الحرية والتغيير الحاضنة سياسية للحكومة الانتقالية ان تدخل في المفاوضات في جوبا كطرف ثالث وجاءوا بوفد فيه قرابة ال ٤٠ شخص من قيادات الاجسام المكونة للحرية والتغيير وعلى رأسهم نفس القيادات من أمثال إبراهيم الشيخ وإبراهيم الأمين ومريم الصادق والأصم وأعضاء من الحزب الشيوعي والبعث والتحالف السوداني والاتحاد الديمقراطي الأصل وهي نفس القيادات التي وقعت اتفاق اديس ابابا وتنصلت منه بعد رجوعها للخرطوم ولكن لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين فرفضت الجبهة الثورية تواجد هذه القيادات داخل التفاوض بحجة قبلتها الوساطة الجنوبية وهي ان الوفد الحكومي الذي يفاوض الجبهة الثورية هي حكومة تمثل كل هذه الكيانات التي تريد ان تدخل التفاوض وهي التي كونت هذه الحكومة بدون أي تدخل من أي طرف سواهم وأيضا وفقا لاتفاق جوبا للمبادئ الذي يسمي طرفي التفاوض وهما الجبهة الثورية والحكومة السودانية الانتقالية ولكن لم تمانع الجبهة الثورية من تواجدهم كمستشارين خارج قاعات التفاوض الرسمية بالرغم من علمنا التام بنواياهم في إجهاض العملية السلمية من خارج قاعات التفاوض .
وكانت هذه المحاولات الفاشلة من النخب السياسية التي أدمنت الفشل سببا آخر في تأخير مفاوضات السلام في جوبا لأكثر من ٢٠ يوما وبعد رجوع وفد الحرية والتغيير مرة أخرى الى الخرطوم بعد أن سددوا طعنة أخرى بعد طعنة اديس أبابا في خاصرة مفاوضات السلام التي كانت تسير بصورة طيبة وإيجابية.

وبعد التدخل المرفوض لقيادة قوى الحرية والتغيير أصبحت وتيرة المفاوضات تتباطأ نتيجة لرجوع وفد الحكومة أسبوعيا للخرطوم والتغيير الذي يحدث في من وقت لآخر في عضوية المكون المدني لوفد التفاوض.
كما أدى رحيل وزير الدفاع جمال عمر رحمه الله صاحب المواقف المشهودة والايجابية التي تعكس الرغبة الحقيقية في وقف الحرب وتحقيق السلام الشامل في البلاد. وبعدها مباشرة حلت جائحة الكورونا التي توقفت المفاوضات بسببها للمرة الثالثة نتيجة لتوقف حركة الطيران والالتزام بقوانين التباعد الاجتماعي لتبدا بعد فترة من التوقف المفاوضات مرة أخرى عبر وسيلة الكونفيرس كول بمساعدة الاتحاد الأوربي وجميع هذه الأسباب نتج عنها تأخر التوقيع النهائي على مفاوضات جوبا للسلام فوجد أعداء السلام ضالتهم بالتشكيك في الجبهة الثورية بعض ورغبتها في إحلال السلام.

وبالرغم من ان اعلان مبادئ جوبا قد نص على ارجاء تعيين الولاة المدنيين والمجلس التشريعي الى ما بعد التوقيع على اتفاق السلام النهائي وافقت الجبهة الثورية منذ اكثر من ٣ شهور ونصف وعبر خطاب رسمي للحكومة السودانية على تعيين الولاة المدنيين الا انها فشلت في ذلك بسبب خلافات بينهم .ولم يعترفوا بذلك بل حاولوا الزج بالجبهة الثورية وتحميلها فشلهم المتكرر في مساءلة تعيين الولاة. ومن المفارقات المضحكة ان بعض القوى السياسية واقلامها الرافضة للسلام بدأت في نشر الأكاذيب وبث الاخبار المغلوطة في الميديا والاعلام الرسمي الذي تسيطر عليه قوى الحرية والتغيير. ومنذ يومين وعبر حملة منظمة نشر خبر عن أن الجبهة الثورية قد طالبت ب١٤٠ مقعدا في المجلس التشريعي و٧ وزراء مركزيين و٣ أعضاء في مجلس السيادة في كذب وافتراء واضح وتزوير للحقائق في محاولة لشيطنة الجبهة الثورية امام المواطن السوداني الذي ينتظر توقيع السلام بين كل لحظة وأخرى.

نحن في الجبهة الثورية ومن واقع تجربة مفاوضات اديس ابابا والمفاوضات في جوبا نعلم تماما من هي هذه الشخصيات السياسية من قيادات الأحزاب التي تقف وراء هذه الحملة لإجهاض ملف السلام برمته والتي ادمنت الفشل على مدى اكثر من ٦٠ عاما واضاعت فرصة تحقيق السلام الحقيقي بعد ثورتين شعبيتين ف١٩٦٤م و١٩٨٥م وهاهم يعيدون الكرة الآن في ٢٠٢٠م.
ولتوضيح ما تم في خلال الأيام الماضية في ملف القضايا القومية هو أن وفد الحكومة الانتقالية وفي رده على الموقف التفاوضي الموحد للجبهة الثورية جاء بورقة عجيبة تنصل فيها حتى مما أعلنته قوى الحرية والتغيير في المصفوفة الأخيرة وأيضا مخالفا لما صرح به الأستاذ التعايشي ود. حسان نصر مسؤول الحكم الاتحادي وعضو وفد الحكومة المفاوض في برنامج البناء الوطني الذي استضافهم فيه الأستاذ لقمان أحمد مدير الإذاعة والتلفزيون حيث صرحا ان هناك شبه اتفاق لإعطاء ١٠٠ مقعد في المجلس التشريعي و عدد ٢ أعضاء فقط داخل المجلس السيادي لتتفاجأ الجبهة الثورية في الورقة الرسمية للحكومة الانتقالية بنكوص عن كل ما جاء في المصفوفة او على لسان التعايشي ود. حسان في التلفزيون السوداني الرسمي.

ولكن يبدو أن الموقف الحكومي الأخير الهدف منه هو تعطيل ملف التفاوض حتى تتبين قوى الحرية والتغيير وجهة الأحداث في الشارع السوداني الذي يهدد بالخروج ضد الحكومة الانتقالية في ٣٠ يونيو الجاري والتي ربما أتى لهم الشارع عبرها بتغيير يقلب كل الأوراق في صالحهم مرة أخرى ليكونوا حكومة مدنية كاملة بعد أقصاء العسكر الذين وقعوا معهم على الوثيقة التاريخية بالمشاركة في السلطة ولكنهم لا يدرون بان الشعب السوداني لن يعطيهم الفرصة للمرة الثانية وخاصة في أوضاع السودان الحالية المضطربة التي لا تسمح بذلك .
أيضا من المفارقات العجيبة ان يطلب وفد الحكومة من الجبهة الثورية تخصيص مقاعد لحركتي الحلو وعبد الواحد ضمن ما تناله الجبهة الثورية من مقاعد تشريعية ومكاسب تتحصل عليها من خلال التفاوض.
كيف يعقل ان تطلب الحكومة السودانية مقاعد لحركات مسلحة أخرى ترفض ان تعترف بها كحكومة رسمية مثل حركة تحرير السودان بقيادة القائد عبد الواحد محمد نور وأخرى بقيادة الحلو التي ترفض مبدأ التفاوض حول السلطة قبل الوصول لنوع الحكم في الدولة السودانية هل هو علماني ام شيء آخر. هل يعقل ان تتبنى الجبهة الثورية مطالب رفقاء سلاح آخرين لم تستطيع الحرية والتغيير حتى اقناعهم للجلوس معهم في مفاوضات رغم الاطراء والاعجاب التي تبديه أقلام قحت بحركتي عبد الواحد والحلو في هدف مكشوف وهو دق أسفين بين رفقاء الكفاح المسلح بنفس أسلوب النظام المخلوع ولكن هيهات لهم في ذلك الهدف.

إن محاولات قيادات النخب السياسية الفاشلة وبنفس أسلوب النظام السابق وذلك بأفشال منبر السلام الوحيد الذي يحدث تقدما وأيضا محاولاتها لدق اسفين خلاف بين الجبهة الثورية من جهة وحركتي الحلو وعبد الواحد من جهة أخرى انما تنم عن عقلية مركزية سياسية سيئة التفكير ومدمنة لانتهاج وسائل لا تقود هذا الأحزاب الا الى فشل متواصل منذ تاريخ انشاءها وها هي تأتيها الفرصة التاريخية الثالثة بعد ان فشلوا بعد ثورتي ٦٤م و٨٥ م في تحقيق السلام مع قوى الهامش السوداني والتي تخوض مع هذه النخب السياسية والعقلية السودانية المركزية معركة تاريخية بدأت بالسلاح والحروب المتواصلة منذ ١٩٥٥م ولكن سوف يتم حسمها هذه المرة عبر الشارع الثوري السوداني وعبر التفاوض من القوى الحقيقية التي ترغب في تحقيق السلام الدائم والعادل وهي قوى الهامش السوداني ممثلة في الجبهة الثورية بكل تنظيماتها وفي حركة جيش تحرير السودان بقيادة القائد عبد الواحد محمد نور والحركة الشعبية شمال قيادة عبد العزيز الحلو ولن تكون هناك حروب أخرى في السودان الجديد بعد ثورة ديسمبر بل سيتم اجبار النخب السياسية على تغيير عقليتها السياسية المدمنة على الفشل السياسي وضياع الفرص التاريخية.
وإن غدا لناظره غريب.

بقلم /صديق عبد الحفيظ فضل.
عضو المجلس القيادي للجبهة الثورية عن حركة تحرير كوش السودانية.
روتردام في ٢٥يونيو ٢٠٢٠م.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here