د. حَمدوك ليس أوَّل رئيس طلب (بِعثة سياسية خاصَّة) من الأممِ المتحدة/ بقلم: عبد العزيز عثمان سام

0
70
الاستاذ عبدالعزيز سام

د. حَمدوك ليس أوَّل رئيس طلب (بِعثة سياسية خاصَّة) من الأممِ المتحدة
بقلم: عبد العزيز عثمان سام
16 مايو 2020م
كتبَت لى كنداكة من أفراد أسرتى قالت: عمَّاه، لم أفهم بعد، طلب الرئيس حمدوك للأمم المتحدة لتخصيص (بعثة سياسية خاصة) للسودان تساعد حكومته الإنتقالية لأداءِ مهامها. وتسأل ما أثر ذلك على السيادة والوطنية، وطلبت مِنِّى أن أبَسِّط لها الفرق بين الفصل السادس والسابع من ميثاقِ الأمم المتحدة، فأجبتها أنى سأعِدُّ دراسة مُبسَّطة، أدعمها بنماذج وأمثلة، أجعل بها الأمر سهلاً.. وحتمَاً ليزُول اللَبس،
. عندما خبأ وطِيس الحرب فى جنوب السودان، وكادت الأطراف المتفاوضة فى نيفاشا- كينيا أن تصلَ إلى اتفاق سلام شامل فى خواتيم العام 2004م، كانت حكومة الخرطوم قد قررت نقل حروب الإبادة والتطهير العرقى التى كانت تشعِلُها فى جنوب السودان، إلى إقليم دارفور، وقد صرَّح بذلك قادة النظام البائد دون مُوارَبة،
. بدأ النظام الحَاكم أنذاك، حروب إبادة وتطهير عِرقى فى إقليم دارفور من ولاية غرب دارفور (دارأندوكا)، ذلك عندما أرسل الرئيس عمر البشير عامِله جنرال الدابى إلى ولاية غرب دارفور بسُلطات رئيس الجمهورية لذات الغرض، فقام المذكور بتحشيد وتأليب وتسليح القبائل العربية ضد الأفريقية التى أطلقوا عليها (الزُرقة) تحقيراً وإزدِراء، فطفق الجنرال الدابى يقتل ويبيد قبائل المساليت ومن سَاكَنَهم من قبائل أفريقية سودَاء وذلك بتسليح وتحريض القبائل العربية هناك وإسنادهم بالطيران الحربى لدكِّ الأهالى السُود من السكان الأصليِّين بالولاية،
. ويجدُر بالذِكرِ هنا، أنَّ حروبَ الإبادة والتطهير العرقى بإقليم دارفور بدأت من ولاية غرب دارفور، من عاصمتها الجنينة فى بداية العام 1999م، وإستمرت وزحفت شمالاً وشرقاً حتى عَمَّت كل الأقليم فحطمت البشر والحجر والشجر، وهى مُستمرَّة ونشِطة حتَّى اليوم،
. هذا، وصدر قانون نظام روما الأساسى وتمَّ (إعتماده) فى 17 يوليو 1998م، ولكنه لم يدخل حَيِّز التطبيق الفِعلى إلَّا بعد (المُصادقة عليه) فى الأوَّل من يوليو 2002م،
. وفى بداية العام 2004م زار الرئيس عمر حسن البشير مدينة الفاشر التى دعا لها أيضاً الرئيس التشادى إدريس دبِّى إتنو، وفى إحتفال عام منقول على الهواء مباشرة، أعلن عمر البشير حرب الإبادة قائلاً: (بهذا قد أطلقَتُ يد الجيش فى إقليم دارفور، أريد أرضاً خالية، ولا أريدُ جريحاً ولا أسِير). وكان ذلك إيذاناً وتدشيناً لأعنفِ موجَات الشّرِّ على الإطلاق،
. وبتاريخ 11 يونيو 2004م أصدر مجلس الأمن/ الأمم المتحدة، القرار رقم 1547 (2004)، فى جلسته 4988،(بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة) وهو آخر قرار اتخذه مجلس الأمن فى مواجهة حكومة جمهورية السودان بموجب (الفصل السادس) من ميثاقه، وجميع القرارات التى تلته صدرت كلها بموجب (الفصل السابع) من الميثاق،
. فى الفقرة (6) من هذا القرار، يؤيد المجلس النتائج التى خلص إليها الأمين العام بشأن الحالة فى السودان، وبخاصة فى دارفور وأعالى النيل، ويُهيب بالطرفين أن يستخدما نفوذهما كى يتوقف على الفور القتال الدائر فى منطقة دارفور وفى أعالى النيل وفى مناطق أخرى، ويحث الأطراف فى اتفاق إنجامينا لوقف إطلاق النار المؤرخ 8 أبريل 2004م على أن تُبِرم دون تأخير اتفاقا سياسياً، ويرحب بجهود الاتحاد الأفريقى، ويدعـو المجتمع الدولى إلى أن يظل متأهباً للمشاركة بالتمويل الواسع النطاق دعماً للسلام فى السودان، ويطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يُبقِى المجلس على عِلم بالتطورات فى السودان، وأن يقدم تقريراً للمجلس فى موعد لا يتجاوز ثلاثة أشهر من اتخاذ هذا القرار،
. أكرِّر، أن القرار رقم 1547/ 2004م الصادر بتاريخ 11 يونيو 2004م، هو آخر قرار صدر من مجلس الأمن بشأن السودان تحت الفصل السادس، وينصُّ على إنشاء (بعثة سياسية خاصَّة بالسودان) وذلك كالآتى:
وإذ يرحب بتقرير الأمين العام المؤرخ 7 يونيو 2004، يقرر مجلس الأمن الآتى:
1. يُرحب باقتراح الأمين العام أن يُنشأ، لفترة أولية مدتها ثلاثـة أشهر وتحت سلطة ممثل خاص للأمين العام، فريق متقدم للأمم المتحدة فى السودان بوصفه (بعثة سياسية خاصة)، يُكرس للإعداد للرصد الدولى المتوخَّى فى اتفاق نايفاشا المؤرخ 25 سبتمبر 2003م بشأن الترتيبات الأمنية، وتيسير الاتصالات مع الأطراف المعنية، والإعداد لبدء عملية لدعم السلام عقِب توقيع اتفاق شامل للسلام،
2. يوافق المجلس على مقترحات الأمين العام بشأن الفريق المتقدم، ويطلب إلى الأمين العام فى هذا الصدد، القيام بأسرع ما يمكن بإبرام جميع الاتفاقات اللازمة مع حكومة السودان،
3. يعلن المجلس استعداده للنظر فى إنشاء (عملية للأمم المتحدة لدعم السلام) بهدف مساندة تنفيذ اتفاق شامل للسلام، ويطلب إلى الأمين العام أن يتقدم للمجلس بتوصيات بشأن حجم هذه العملية وهيكلها ووِلايتها، فى أقرب وقت مُمكن بعد توقيع اتفاق شامل للسلام،
4. يطلب المجلس إلى الأمين العام، ريثما يتم توقيع اتفاق شامل للسلام، أن يتَّخِذ الخطوات التحضيرية اللازمة، بما فى ذلك، على وجهِ الخُصوص، إنجاز التمركز المُسبق لأهم الاحتياجات الضرورية السَّوقية والبشرية تيسيراً لسُرعةِ نشرِ العملية المُحتملة المذكورة أعلاه بُغية مساعدة الطرفين على رصدِ الإمتِثال لأحكامِ اتفاق شامل للسلام، والتحقُّـق من هذا الإمتثال، فضلاً عن الإعداد للدورِ الذى ستضطلِعُ به المُنظمة خِلال الفترة الانتقالية فى السودان،
. (البعثة السياسية الخاصة) المنشأة بقرار مجلس الأمن رقم 1547 لسنة 2004م بموجب (الفصل السادس) من ميثاق الأمم المتحدة، هى نفس (البعثة السياسية الخاصَّة) التى طالب بها دكتور حمدوك رئيس وزراء السودان من الأمم المتحدة فى العام 2020م، لمساعدة حكومته لتحقيق نفس الأهداف فى قرار يونيو 2004م، وهى المساعدة والمعاونة فى تنفيذ بنود:
أ‌. الترتيبات الأمنية،
ب‌. تيسير الاتصالات مع الأطراف المعنية،
ت‌. والإعداد لبدءِ عملية لدعم السلام عقب توقيع اتفاق السلام فى جوبا.
. والسؤال الذى ينهض بداهة: لماذا طالبت حكومة السودان والأطراف المتفاوضة فى نيفاشا وأبوجا فى العام 2004م (بعثة سياسية خاصة) من الأمم المتحدة، والآن بعد مضى (16) سنة عندما طالب رئيس وزراء السودان بنفس البعثة ومن ذات الأمم المتحدة ولدعم تنفيذ نفس الأهداف، يجدُ طلبه إعتراضاً وتخوُّفَاً من كيزان العهد البائد بشِقيه المؤتمر الوطنى والشعبى وفلُولِهم الإرهابيين من مليشيات الدفاع الشعبى والمجاهدين، وهى نفس البِعثة التى نزلت عليهم برداً وسلاماً فى يونيو 2004م ؟،
. لماذا عندما يطلب دكتور حمدوك “بعثة سياسية خاصة” يتم شيطنته ويُتَّهم بالخيانةِ العُظمى، بينما حكومة (الإنقاذ) طلبت نفس البعثة السياسية الخاصَّة من الأمم المتحدة، وأستُجِيب لها، وكان عملاً وطنياً شريفاً، ولازِماً لصناعة وتنفيذ السلام فى نيفاشا وأبوجا، القاهرة وأسمرا لإحداث تحول سياسى كان مُمكِناً لو لا نقض حكومة الكيزان الاتفاقيات وعطَّلت تنفيذها، فجعلوا السلام مُستحيلاً والوُحدة طَارِدة (غير جذابة)، فأنفصلَ الجنوب، وعادت قوى الكفاح المسلح فى دارفور إلى الحربِ مرَّة أخرى؟،
. الكيزان بشِقيِّهم (وطنى وشعبى)، ومُجاهدِيهم ولصوص الأراضى، وكتائبهم الإرهابية، ودفاعهم الشعبى، ماذا يريدون من السوان بعد أن دمَّروه وجعلُوه حُطاماً تزرُوه الرِياح؟، لماذا يكيلون بمكيالين؟، ولماذا لا يكفُّون عن هذا الهُرَاء والضجِيج؟،
. طلب دكتور حمدوك يستنِد إلى سابِقة أرساها الكيزان أنفسهم فى يونيو 2004م وقامت البِعثة بمهامِها، لكن الكيزان لم يطيقوها فإنقلبوا عليها، فأرسل عليهم مجلس الأمن القرار 1591 (2005) م فدَكَّ صياصِيهم، ودمَّرَ السودان على الوجهِ الذى سأورِدُه أدناه،
. والسؤال قائم، لماذا يتنكَّر الكيزان وفلولِهم البؤساء، للوسائل القانونية السليمة التى يتَّبِعها دكتور حمدوك بحِرفِيَّة ومِهنية عالية، وحتى متَى سيسكُت ثوار ديسمبر 2018م على تطاوُلِ الكيزان وإصرارهم على عرقلة الحكومة من بلوغ مرامى وأهداف الثورة؟،
. وقبل أن يعترِضَ الكيزان على طلبِ رئيس الحكومة الإنتقالية، أن يعلموا أن طلبه مؤسس على سابِقة أرسَاها حكومة الكيزان نفسها، وأُسوة بطلبِهم الذى أتى بالقرار 1547/ 2004م، ونقول لهم (إن لم تِستح، فأصنع ما شِئت). فما أحوج الكيزان للحَياء، ومنهم من سرق وإستولى على المئاتِ من قطعِ الأرض غالية الثمن، ولا يِستحون ولا يكُفُّون عن الضجيج،
. ولكن، حكومة كيزان (الإنقاذ) لم تحترم وجود البعثة السياسية الخاصة معها 2004م ولا حثِها لها بوقف عمليات الإبادة والتطهير العِرقى فى دارفور، بل واصلوا قتل العُزَّل هناك، لا يبالون برجَاءات البِعثة الأُممِيَّة، فإتخذ مجلس الأمن خطوة أخرى جَادَّة فى مواجهة حكومة السودان فى الثلاثين من يوليو 2004م، فماذا حدث؟،
. بتاريخ 30 يوليو 2004م أصدر مجلس الأمن/ الأمم المتحدة القرار 1556 (2004م) فى جلسته 5015، لأنَّ البيان المشترك الصادر عن حكومة السودان السودان والأمين العام للأمم المتحدة المتحدة فى 3 يوليو 2004م قام بنقضه حكومة السودان، بما فى ذلك إنشاء آلية تنفيذ مشتركة، ومن أجل تحسين سُبل وصول المساعدات الإنسانية، وإستشراء انتهاكات حقوق الإنسان، بما فى ذلك الهجمات المُستمرة على المدنيين فتعـرض حياة مئات الألوف للموت والمخاطر، بما فى ذلك شن هجمات عشوائية ضد المدنيين، والاغتصاب، والتشريد القسرى، وأعمال العنف، وبخاصة ما ينطوى منها على بُعدٍ عِرقى،
وأعرب المجلس عن قلقه إزاء التقارير التى تفيد بوقوع انتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بإنجامينا فى 8 أبريل 2004م. وأن ما يصل إلى 200,000 لاجئ قد فرُّوا إلى دولة تشاد المجاورة، وأنَّ مليشيات الجنجويد فى دارفور تقوم بشن غارات عبر الحدود على تشاد،
. فقرَّر مجلس الأمن أنَّ الوضع فى السـودان يمثِّلُ تهديداً للسلام والأمن الدوليين ولإستقرار المنطقة، فتصرَّفت بموجب (الفصل السابع) من ميثاق الأمم المتحدة، وقرَّرَ:
1. يُطلب إلى حكومة السـودان أن تفى على الفور بجميع الالتزامات التى تعهدت بها فى البيان الصادر فى 3 يوليه 2004م وعلى وجه الخصـوص تسهيل أعمال الإغاثة الدولية للتخفيف من هذه الكارثة الإنسانية، بإلغاء جميع القيود التى تعيق تقديم المساعدة الإنسانية، وتوفير سُبل الوصول إلى جميع السُكَّانِ المتضررين، وتعزيز أعمال التحقيق المُستقل فى انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنسانى الدولى، بالتعاون مع الأمم المتحدة، وتهيئة أجواء أمنية موثوق بها من أجل حماية السكان المدنيين والجهات الإنسانية الفاعلة، واستئناف المحادثات السياسية بشأن دارفور مع الجماعات المُنشقَّة فى منطقة دارفور، ولا سيما حركة العدل والمساواة، وحركة/ جيش تحرير السودان،
2. طالب القرار حكومة السودان بالوفاء بالالتزامات التى تعهدت بها بشأن نزع سلاح ميليشيات الجنجويد، واعتقال قادة الجنجويد الذين قاموا بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنسانى الدولى وتقديم هؤلاء الأفراد إلى العدالة، ويطلب كذلك إلى الأمين العام أن يقدم إلى المجلس تقريراً فى غضون (30) يوماً، ثُمَّ كل شهر بعد ذلك عمَّا أحرزته حكومة السودان، أو لم تحرزه، من تقدم فى هذا الصدد، وفى حالة عدم الامتثال، ستطبق عليها التدابير المنصوص عليها فى المادة (41) من ميثاق الأمم المتحدة،
3. يقرر المجلس أن تتخذ جميع الـدول التدابير اللازمة لمنع قيام مواطِنيها أو القيام من إقليمها، أو باستخدام سفن أو طائرات تحمل علمها، ببيع أسلحة ومواد ذات صلة من جميع الأنواع إلى جميع الكيانات غـير الحكومية وجميع الأفراد العاملين فى ولايات شمال دارفور، وجنوب دارفور وغرب دارفور، بمن فيهم الجنجويد، أو إمدادهم بهذه الأسلحة والمواد، بما فى ذلك الأسلحة والذخيرة والمركبات والمعدات العسكرية وشبه العسكرية وقطع الغيار، سواء كان منشؤها أراضيها أم لا،
. وبتاريخ 18 سبتمبر 2004م أصدر مجلس الأمن/ الأمم المتحدة القرار 1564/ 2004م، تحت (الفصل السابع) من ميثاق الأمم المتحدة الذى أعربَ فيه عن بالغ قلقه إزاء انعدام تقدم فيما يتعلق بالأمن وحماية المدنيين، ونزع سلاح مليشيات الجنجويد وتحديد هوية زعماء الجنجويد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والقانون الإنسانى الدولى فى دارفور وتقديمهم للعدالة،
. وطلب مجلس الأمن إلى الأمين العام أن يقوم على وجه السرعة، بإنشاء لجنة تحقيق دولية تضطلع فوراً بالتحقيق فى التقارير المتعلقة بانتهاكات القانون الإنسانى الدولى وقانون حقوق الإنسان التى ترتكبها جميع الأطراف فى دارفور، ولتحدد أيضاً ما إذا وقعـت أعمال إبادة جماعية، وتحديد هوية مرتكبى تلك الانتهاكات لكفالة محاسـبة المسـؤولين عنها، ويدعو جميع الأطراف إلى التعاون التام مـع تلك اللجنة، ويطلب كذلك إلى الأمين العام أن يتخذ الخطوات المناسبة لزيادة عدد مُراقبى حقوق الإنسان الموفدين إلى دارفور، وذلك بالتعاون مـع مفوضية حقوق الإنسان،
. وأعلن المجلس أنه فى حالة عدم إمتثال حكومة السودان إمتثالاً كاملاً للقرار 1556/ 2004م، أو لهذا القرار، سيقرر المجلس بعد التشاور مـع الاتحاد الأفريقى مع توسيع وتمديد بعثـة الاتحاد الأفريقى للرصـد فى دارفور، سينظر فى اتخاذ تدابير إضافية تنص عليها المادة (41) من ميثاق الأمم المتحدة، كاتخاذ إجراءات تؤثر على القِطاع النفطى فى السودان، وعلى حكومة السودان، أو أفراد من أعضاء حكومة السودان، من أجل اتخاذ تدابير فعالة تضمن الإمتثال الكامل أو التعاون التام؛
. لم تأبه حكومة السودان للقرارات الصادرة من مجلس الأمن، وسدَرت فى غيِّها تقتل وتبيد أهل دارفور وتحرق قراهم وتشردهم، وتغتصب النساء،
. وفى نهاية العام 2004م شكَّل السيد/ كوفى عنان، الأمين العام للأمم المتحدة لجنة التحقيق الواردة فى القرار أعلاه برئاسة الإيطالى أنطونيو كاسياس وعضوية غانى وآخر من جنوب أفريقيا ولبنانى، وباشرت اللجنة عملها فوراً، وفى الأوَّل من فبراير 2005م قدمت لجنة التحقيق تقريرها النهائى للأمين العام، جاء فيه (أن حكومة السودان ومليشيات الجنجويد التى تعمل لحسابها إرتكبت انتهاكات جسيمة فى إقليم دارفور، فقتلت عشرات الآلاف وهجَّرت مليون ونصف مواطن). وقدمت اللجنة كشفاً بأسماء قادة الجُناة وعلى رأسهم: أحمد هارون، على كوشيب، عبد الرحيم محمد حسين، وعمر حسن البشير،
. طلب الأمين العام من حكومة السودان الرد على تقرير اللجنة، ولكنها بدلاً من الرد على طلب الأمين العام طفقت تشتم وتنكر وتصف اللجنة بالكذب والتلفيق، وإستمرَّت عمليات القتل والإبادة والتطهير العرقى فى دارفور، فأحال الأمين العام تقرير اللجنة لمجلس الأمن للإختصاص فأصدر القرار 1591 لسنة 2005م تحت (الفصل السابع)، وهو القرار الذى أصاب حكومة السودان بشللٍ تام، وأدخلها فى غيبوبة وموت سريرى لم تفُق منه حتَّى اليوم.
. فإلى القرار 1591/ 2005م:
. بتاريخ 29 مارس 2005م أصدر مجلس الأمن/ الأمم المتحدة القرار 1591 (2005) فى جلسته 5153، جاء فيه:
وإذ يقرر المجلس أن الحالة فى السودان لا تزال تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، وإذ يتصرف بموجب (الفصل السابع) من ميثاق الأمم المتحدة،
3. يقرر، فى ضوء عدم وفاء جميع أطراف الصراع فى دارفور بالتزاماته:
(أ) أن ينشئ، وفقاً للمادة 28 مـن نظامه الداخلى المؤقت، لجنة تابعة لمجلس الأمن تضم جميع أعضاء المجلس (يشار إليها أدناه باللجنة)،
وتضطلع بالمهام التالية:
1. النظر فى الطلبات المقدمة من حكومة السودان بشأن نقل المعدات والإمدادات العسكرية إلى منطقة دارفور وفقاً للفقـرة 7 أدناه، وإصدار موافقة مسبقة عليها حسب الاقتضاء،
2. تقييم التقارير المقدمة من فريق الخبراء المنشأ بموجب الفقرة الفرعية (ب) مـن هذه الفقرة ومـن الدول الأعضاء،
3. أن تتخذ جميع الدول التدابير الضرورية لكى تمنع جميع الأشخاص الذين تحددهم اللجنة عملاً بالفقرة الفرعية (ج) أعلاه مـن دخول أو عبور أراضيها مع العلم أنه لا يوجد فى هذه الفقرة ما يلزم أى دولة برفض دخول مواطنيها إلى أراضيها،
4. أن تُجمِد جميع الدول جميع الأموال والأصول المالية والموارد الاقتصادية الموجودة داخل أراضيها، فى تاريخ اتخاذ هذا القرار أو فى أى وقت لاحق، التى يملكها أو يتحكم بها، بشكل مباشر أو غير مباشر، الأشخاص الذين تحددهم اللجنة عملاً بأحكام الفقرة الفرعية (ج) أعلاه، أو التى تحوزها كيانات يملكها أو يتحكم بها بشكل مباشر أو غير مباشر هؤلاء الأشخاص أو أشخاص يعملون لحساهبم أو بناء على توجيهاتهم، ويقرر كذلك أن تكفل جميع الدول ألا يتيح رعاياهـا أو أى أشخاص موجودين داخل أراضيها أى أموال أو أصول مالية أو موارد اقتصادية لهؤلاء الأشخاص أو الكيانات أو لصالحهم،
5. يقرر أن يبدأ نفاذ التدابير المشار إليها فى الفقرتين الفرعيتين (3) (د) و (هــ) بعد (30) يوما من تاريخ اتخاذ هذا القرار، ما لم يقرر مجلس الأمن قبل ذلك أن أطراف الصراع الدائر فى دارفور قد إمتثلت لجميع الالتزامات والمطالب المشار إليها فى الفقرة (1) أعلاه والفقرة (6) أدناه،
6. يطالب حكومة السـودان بالكف فوراً عن القيام بتحليقات عسكرية هجومية داخل منطقة دارفور وفى أجوائها، وذلك وفقاً لالتزاماتها بموجب اتفاق نجامينا لوقف إطلاق النار المؤرخ 8 أبريل 2004 وبروتوكول أبوجا الأمنى المؤرخ 9 نـوفمبر 2004م، ويدعو لجنة وقف إطلاق النار التابعة للاتحاد الأفريقى إلى تبادل المعلومات ذات الصلة فى هذا الشأن عند الاقتضاء مع الأمين العام أو اللجنة أو فريق الخبراء المنشأ بموجب الفقرة 3 ( ب)؛
7. يؤكد مجدداً أن مجلـس الأمن سينظر فى اتخاذ تدابير إضافية وفقاً لأحكام المادة (41) من ميثاق الأمم المتحدة، فى حالة عدم وفاء الأطراف بالتزاماتها وبما هو مطلوب منها على النحو المبين فى الفقرتين 1 و 6، واستمرار تدهور الحالة فى دارفور؛
. هذا القرار 1591 لسنة 2005م الصادر من مجلس الأمن بتاريخ 29 مارس 2005م هو القرار الذى سَلب السودان سياديه الوطنية وأفقدت حكومة الكيزان أهليتها كرامتها الإنسانية. وحَرَم رئيس الجمهورية ومساعدية من السفر فأصاب البلاد شللاً دبلوماسياً لخمس عشرة سنة كاملة لم تُقدَّم خِلالها الدعوة لرئيس السودان أو يُمنح تأشيرة سفر لحضور محفل أُممِى. وحُجِز على أموال السودان فى المصارف والصناديق الدولية، وحُرِم السودان من الإقتراض الخارجى فصار السودان فقيراً، وتدهَّور سِعر الصرف، وإنهار الإقتصاد.
. بإختصار القرار 1591 لسنة 2005م هو القَشَّة التى قصمت ظهر حكومة الكيزان، وأحدثَ عزل وحِرمان وشلل تام فى كل مناحى الحياة. وما تقوم به حكومة حمدوك الأن هى محاولات لإعادة الحياة لجسمٍ موات، لرفع القيود التى فُرضت على حكومة السودان بالقرار 1591م، وليس العكس كما ويوْهِم الكيزان الناس بلا حَيَاء أو خَجَل،
. وألية تنفيذ القرار 1591/ 2005 هى لجنة الخبراء Panel of Expert التى أُنشأت بموجب الفقرة 3(ب) من القرار، وتعمل لجنة الخُبراء تحت مجلس الأمن مباشرة، وهى التى ظلَّت تتعامل مع السودان وتراقب تنفيذ العقوبات الموقعة على السودان بموجب هذا القرار، كما ظلت حكومة السودان تتعامل بشكلٍ سلبى وعدائى مع لجنة الخبراء، وتضعُ العراقيل فى طريقها بتأخير إصدار تأشيرات الدخول للسودان، أو وَضعِ عراقيل لإعتراض حركة اللجنة من الذهاب إلى دارفور أو زيارة كل مسارح الجريمة هناك. لكن اللجنة التى تعمل تحت مجلس الأمن مباشرة تعرف كيف تجد طريقها إلى حيث تريد لممارسة ولايتها والقيام بمهمتها على أكملِ وجه،
. ثمَّ أصدر مجلس الأمن القرار 1593 لسنة 2005م بتاريخ 31 مارس 2005م بإحالة الوضع فى أقليم دارفور إعتباراً من 1 يوليو 2002م إلى المدعى بالمحكمة الجنائية الدولية، فزادَ طين حكومة الكيزان بلَّة.. فما هو مضمون ومغزى وأثر القرار 1593/ 2005م على حكومة السودان البائدة ومنسوبيها؟،
. الإجابة: أن القرار 1593 كان آخر حلقات إهانة وتأديب حكومة السودان البائدة، لمَّا طفق الكيزان يهللون ويرقصون بينما هم خائفون ورُكبهم ترتجِف واهِية لا تقوى على حملِ أبدانهم المكتَنِزة،
. القرار 1593(2005م) الذى اتخذه مجلس الأمن فى جلسته 5158 بتاريخ 31 مارس 2005م، يقرأ كالآتى:
. وإذ يقرر المجلس أن الحالة فى السودان لا تزال تشكِّل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، وإذ يتصرَّف بموجب (الفصل السابع) من ميثاق الأمم المتحدة:
1. يقرِّر إحالة الوضع القائم فى دارفور منذ 1 يوليو 2002م إلى المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية؛
2. يقرر أن تتعاون حكومة السودان وجميع أطراف الصراع الأخرى فى دارفور تعاوناً كاملاً مع المحكمة والمدعى العام وأن تقدم إليهما كل ما يلزم مـن مساعدة، عملاً بهذا القرار، وإذ يدرك أن الدول غير الأطراف فى نظام روما الأساسى لا يقع عليها أى التزام بموجب النظام الأساسى، ويحث جميع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى المعنية علـى أن تتعاون تعاوناً كاملاً،
3. يدعو المحكمة والاتحاد الأفريقى إلى مناقشة الترتيبات العملية التى ستُيسِّر عمل المدعى العام والمحكمة، بما فى ذلك إمكانية إجراء مداولات فى المنطقة، مـن شأنها أن تسهم فى الجهود الإقليمية المبذولة لمكافحة الإفلات من العقاب؛
4. يشجع أيضاً المحكمة على أن تقوم، حسب الاقتضاء ووفقـاً لنظام روما الأساسى، بدعم التعاون الدولى بجهود داخلية لتعزيز سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان ومكافحة الإفلات من العقاب فى دارفور؛
5. يشدد أيضا علـى ضرورة العمل على التئام الجروح والمصالحة ويشجع فى هـذا الصـدد علـى إنشـاء مؤسسات تشـمل جميع قطاعات المجتمع السودانى، مـن قبيل لجان تقصى الحقائق و/ أو المصالحة، وذلك لتدعيم الإجراءات القضائية وبالتالى تعزيز الجهود المبذولة لاستعادة السلام الدائم، بمساعدة ما يلزم من دعم الاتحاد الأفريقى والدعم الدولى؛
6. يقرر إخضاع مواطنى أى دولة مـن الدول المساهمة مـن خارج السودان لا تكون طرفاً فى نظام روما الأساسى، أو مسؤوليها أو أفرادها الحاليين أو السابقين، للولاية الحصرية لتلك الدولة المساهمة عن كل ما يدعى ارتكابه أو الامتناع عـن ارتكابه مـن أعمال نتيجة للعمليات التى أنشأها أو أذن بها المجلس أو الاتحاد الأفريقى، أو فيما يتصل بهذه العمليات، ما لم تتنازل تلك الدولة المساهمة عن هذه الولاية الحصرية تنازلاً واضحا؛
7. يُسلِّم بأنه لا يجوز أن تتحمل الأمم المتحدة أية نفقات متكبدة فيما يتصل بالإحالة، بما فيها النفقات المتعلقـة بالتحقيقات أو الملاحقات القضائية فيما يتصل بتلك الإحالة، وأن تتحمل تلك التكاليف الأطراف فى نظام روما الأساسى والدول التى ترغب فى الإسهام فيها طواعية؛
8. يدعو المُدَّعِى العام إلى الإدلاء ببيان أمام المجلس فى غضون ثلاثة أشهر مـن تاريخ اتخاذ هذا القرار ومرة كل ستة أشهر بعد ذلك عـن الإجراءات المتخذة عملا بهذا القرار،
. هذا، وقد أصدر المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية عدداً من أومر القبض ضد كبار المطلوبين لديها من قادة حكومة الالسودان الذين ولغوا فى دماء أهل دارفور. الصادر ضدهم أوامر قبض من كشف المطلوبين الـ (51) هم: أحمد هارون وعلى كوشيب، ثمَّ صدر (2) أوامر قبض ضد المخلوع عمر البشير، الأمر الأوَّل بتاريخ 4 مارس 2009م، والثانى بتاريخ 12 يوليو 2010م، وأمر قبض آخر صدر ضد عبد الرحيم محمد حسين فى 1 مارس 2012م.
وكل المطلوبين الصادر ضدهم أوامر قبض ما زالوا طُلقاء at large يهربون من القبض والمثول أمام المحكمة مع أن مطلوبون كثر مثلوا أمام المحكمة بمن فيهم الرئيس الكينى أوهورو كنياتا، أمَّا كيزان السودان فيهربون ويتفادون القبض والمثول لأنهم قَتَلَةRed handed إرتكبوا أفظع الإنتهاكات ضد أهل دارفور العُزَّل المُسَالِم الذى لم يأت بما يستحق ما جرى له، ولكن حتى متى الهروب من العدالة؟،
. وأخيراً:
فى خاتمة المطاف، أصدر مجلس الأمن القرار 1706 لسنة 2006م بتاريخ 31 أغسطس 2006م بنشر القوة المشتركة للإتحاد الأفريقى والأمم المتحدة فى إقليم دارفور، سُمِّيت بالقوَّةِ الهَجِين Hybrid، فكانت بعثة يوناميد UNAMID الحالية التى تنتشر فى الإقليم حتَّى اليوم، وبهذا القرار ختمَ مجلس الأمن حملته التأديبية ورَدعِه لحكومة الخرطوم، وينص القرار 1706 على:
. وإذ يعتبر المجلس أن الحالة فى السودان ما زالت تُشكِّل خطراً يهدد السلام والأمن الدوليين،
1. يقرِّر، دون المساس بما تضطلع به بعثة الأمم المتحدة فى الـسودان حالياً من عمليات وولاية على النحو المنصوص عليه فى القرار 1590/ 2005م،(ومن أجل دعم التنفيذ المبكر والفعال لاتفاق دارفور للسلام)، توسيع نطاق ولاية هذه البعثة ونشرها لتشمل دارفور، ولذلك يدعو إلى موافقة حكومة الوحدة الوطنية على هـذا الانتشار، ويحث الدول الأعـضاء على توفير القدرات اللازمة لنشرها بسرعة؛
2. يطلب إلى الأمين العام ترتيب النشر السريع لقدرات إضافية لبعثة الأمم المتحدة فى السودان، حتى تتمكن مـن الانتشار فى دارفور، وفقاً للتوصية الواردة فى تقريره المؤرخ 28 يوليو 2006م
3. يقرر تعزيز قوام بعثة الأمم المتحدة فى السودان بعدد يصل إلى 17,300 من الأفراد العسكريين وبعنصر مدنى مناسب يشمل عدداً يصل إلى 3,300 مــن أفراد الشرطة المدنية، وعدداً يصل إلى 16 مـن وحدات الشرطة المُشَكَّلة، ويعرب عن تصميمه على إبقاء قوام البعثة وهيكلها قيد الاستعراض المنتظم، آخذاً فى الحُسبان تطور الحالة فى الميدان، ودون المساس بما تضطلع بـه البعثة حالياً من عمليات وولاية على النحو المنصوص عليه فى القرار 1590/ 2005م،
. وفى الختام أقول:
بهذا الكمِّ الهائل من قرارات مجلس الأمن/ الأمم المتحدة، ردعت المنظمة الدولية حكومة السودان خلال (16) سنة، فدكته دَكَّاً، وتركته قاعاً صفصفاً، عقوبات قاصمة شلَّت حركة حكومة الخرطوم، وجمَّدت الأموال، وعطلت حركة المسؤولين، وجعلتهم يقبعون فى الخرطوم كالجُرزان يهللون ويرقصون بلا سُوق، فتعطلت الدولة وأصابها شللٌ تام. وتحوَّل الرئيس المخلوع إلى هارب من العدالة ومتسوِّل، وتحوَّل المسؤولين إلى لصوص سرقوا وباعوا ونهبوا كل ما تحت أيديهم من أصول الدولة، باعوا المرافق العامة، ثمَّ باعوا شرَفهم.
ثمَّ، أسقطهم الشعب فى ثورة ديسمبر 2018م، ويأتى الأن الكيزان اللصوص يقولون: أن الطلبَ الذى تقدَّم به رئيس الوزراء عبد الله حمدوك فيه مَسَاس بالسِيادةِ الوطنية، فهل ترك الكيزان سِيادة للوطنِ كى تُمَس؟ أو كرامة لتُهدَر؟،
وأقول: تقديم طلب للأمم المتحدة لتخصيص (بعثة سياسية خاصة) لمساندة حكومة دولة عضوة لتحقيق السلام وإحداث تحوُّل سِلمى ديمقراطى، هو حق طبيعى ومُتاح،
وتقديم الرئيس حمدوك لهذا الطلب كان موفَّقاً، وضربة مُعلم خبير، وخطوة نوعيةIt was a qualitative step وليس كل الرُؤساء والسَاسة مؤهلون لتقديم هذه الطلب. لذلك، على الشعب السودانى أن يفخر بقيادته الرشيدة، وأن يشكرَ الله سبحانه وتعالى أن جعلَ للسودان إبناً مثل دكتور عبد الله حمدوك، عالم وخبير أممى، آثر أن يضعَ كل ثِقله العِلمى وخِبرته العملية الثرَّة وعلاقاته الواسعة لأجلِ انقاذِ بلدِه السودان والعبور بها نحو مصاف الدول والشعوب المُتقدِّمة،
. وليخرس الكيزان لصوص الأراضى، وينتظروا دورهم لدخول صالون (الحِلاقة الجَافة) التى تنتظرهم مع لجنة تفكيك النظام البائد، وليتركوا السودان يلعق جراحه الغائرة ويتعافى رويداً رويداً.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here