عثمان ميرغنى يكتب: أين المؤسسات؟

0
66
أرشيف: عثمان ميرغني

أكبر جريمة ارتكبها النظام المخلوع أنه دمر المؤسسات الوطنية وأحل محلها “سادة” متنفذين، فوق القانون والضوابط وحتى الأخلاق.. وبالمنطق يفترض أن أول مهمة لحكومة الثورة بهد زوال النظام المخلوع هو بناء المؤسسات لينهض بها الوطن..

لكن يبدو حتى لحظة كتابة هذه السطور أن الحال على ماهو عليه.. وطبعاً لا أقصد أن يكون الأشخاص في مواقعهم القديمة بل أن تكون (عقولهم) ومنهج تفكيرهم والطريقة التي يديرون بها الشأن العام في مكانها لم تتزحزح قيد أنملة..

من قبل سقوط النظام المخلوع قلت لكم إن أكبر خطأ تاريخي بعد انتصار الثورة سيكون اعتماد (الحلول القديمة) للوضع الجديد.. وعلى رأسها حكاية (انتقالي).. مجلس سيادة “انتقالي”، مجلس وزراء “انتقالي”، وثيقة دستورية “انتقالية” إلى آخر قوائم الانتقال العجيبة.. أولاً: هي ذات الوصفة التي جربت في العام 1953، ثم في العام 1964، ثم في العام 1985، ولا حجة ومبرر لها سوى إنها من (ريحة) الماضي (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمهتدون).. مجرد تدوير للماضي رغم حالة الفشل الذريع التي يكابدها السودان منذ الاستقلال.

كلمة (انتقالي) هي ترياق مضاد للمؤسسية.. لأنها تمنح الإحساس وتربي التفكير المبني على وصفة (مؤقت) ولا أحد بالطبع يقيم مؤسسات في وضع مؤقت، أقرب للقبائل الرُّحل ، فلأنها تدرك أنها (انتقالية) من مكان إلى آخر فهي لا تبني بيوتاً ثابتة.

بالله ما الذي كان يمنع أن يكون لنا رأس دولة بلا انتقالي.. ورئيس وزراء لا يحمل صفة انتقالي في حله وترحاله فحتى عندما يزور الدول الأخرى ترافقه كلمة “انتقالي” في نشرات الأخبار وتمنح مستقبليه إحساساً أنهم يتعاملون مع رئيس منزوع الدسم، موسوم في جبينه بأنه انتقالي لا يصلح لبناء شراكات فهو غير مفوض إلا بمهمة محدودة هي “تسيير” البلاد والحفاظ عليها في الحال الذي وجدها فيه لحين إجراء انتخابات وتسليم السلطة لآخرين منتخبين..

بالله عليكم، لو جاء رئيس وزراء منتخب بتصويت بنسبة 100% .. هل يملك تفويضاً شعبياً مثل الذي ناله الدكتور حمدوك الآن؟ هل يملك سنداً شعبياً بقدر الذي وفرته الثورة لرئيس الوزراء “الانتقالي!!!!” ؟ أيهما أقوى رجل حملته الثورة وهنا على وهن وسارت به من شارع إلى شارع .. ومن شهيد إلى شهيد، ومن معتقل إلى معتقل حتى أوصلته الحكم؟ أم رجل/امرأة وصل للحكم ببطاقات ألقيت في صندوق بارد؟

ومع ذلك، دعونا لا نبكي على اللبن المسكوب، فالمطلوب الآن هو السير بالسودان نحو بناء دولة حديثة.. ولن يتحقق ذلك بلا مؤسسات حقيقية تنبني على أسس حديثة تواكب العصر..

هل تلك مهمة صعبة؟

 

المصدر: صحيفة التيار

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here