عثمان ميرغنى يكتب: حكاية المحكمة الجنائية الدولية..!

0
70
عثمان ميرغني

عندما أعلن أوكامبو اتهامه للبشير بارتكاب جرائم حرب في دارفور ووضعه في قائمة المطلوبين للعدالة ثارت في شوارع الخرطوم مظاهرات (رسمية) من ذلك النوع الذي برع فيه النظام السابق، يحشد موظفي الحكومة المغلوبين على أمرهم والتلاميذ الصغار من وراء ظهر أولياء أمرهم الذين يحسبون أن أطفالهم في المدرسة ولا يدرون أنهم اقتيدوا خلسة ليملأوا عين كاميرات التصوير وتبدو الصور (حاشدة).

في تلك الأيام العجيبة وصل إلى الخرطوم المستشار القانوني للمحكمة الدولية ودعا مجموعة من الصحفيين للالتقاء به. لا زلت أذكر كلماته بكل وضوح.. سخر من المظاهرات وقال ليس هكذا تعالج القضايا (القانونية).. وقال، بدلاً من إضاعة الوقت الأفضل أن تتوجه الحكومة السودانية مباشرة للتعامل القانوني في تلقي القبض على أي مسؤول ورد اسمه في لائحة الاتهام يقدم إلى المحاكمة داخل السودان.. ذلك وحده الأسلوب الذي يمنع تدخل المحكمة الجنائية الدولية.. لأنها تعمل حينما لا يكون القضاء الوطني قادراً أو راغباً في أداء مهمته ومحاسبة المتورطين في أعمال ضد الإنسانية.

والقاعدة القانونية المعروفة تؤكد أن الإنسان لا يحاكم بنفس الجريمة مرتين.. فإذا ما خضع لمحكمة وطنية داخل السودان فإن ذلك يمنع عرضه على المحكمة الجنائية الدولية حتى لا تتكرر المحاكمة في نفس الجريمة مرتين.

الأن يدور لغط عجيب حول تسليم المخلوع للمحكمة الجنائية الدولية.. إذا وافقت الحكومة السودانية على تسليم المخلوع فهي بذلك تعترف أمام العالم كله أن القضاء السوداني غير قادر أو راغب في محاكمة ومحاسبة المخلوع.. فهل فعلا قضاؤنا الوطني السوداني غير قادر على إنفاذ القانون في المخلوع؟

الإجابة على السؤال خطيرة للغاية لأنها تضرب في كل الاتجاهات.. ليس القانونية أو السياسية وحدها بل حتى الاقتصادية، بالله قل لي من هو المستثمر الذي يجلب أمواله للاستثمار في بلد أقر وأعترف أن قضاءه الوطني غير قادر أو راغب في محاكمة موظف دولة حتى ولو كان بدرجة رئيس جمهورية.

الدولة التي تسلم مواطنيها ليحاكموا في قضاء أجنبي آخر تعلن على رؤوس الأشهاد وللعالم أجمع أنها دولة عارية من القضاء المستقل النزيه.. وأنها تعاني من حالة غياب (دولة القانون).. فهل السودان دولة فاشلة تعطل القضاء فيها؟

ومع ذلك يظل سؤال آخر.. وماذا إذا مثل المخلوع أمام المحكمة الجنائية الدولية ثم صدر الحكم لصالحه .. تحت أي عذر مثلاً تقاعس الاتهام في إقناع المحكمة ببراهين وأدلة واضحة تؤكد أنه هو من أمر بالقتل والتشريد.. بالله تخيلوا معي عندما يعود المخلوع من المحكمة حاملاً صك البراءة!!

طبعاً لا تقل لي لن يحدث ذلك، فكل شيء وارد طالما أن القاضي في النهاية يعمل وفق قناعته بما يعرض أمامه.. فقد يفشل الاتهام.

لكل هذا .. لا أتفق إطلاقاً مع من يطلب تسليم المخلوع للجنائية.. لدينا قضاء قادر وراغب في تحقيق العدالة إشاعة مبدأ المحاسبة والمسؤولية.

التيار

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here