الحركات المسلحة السودانية أيضاً عميقة…بقلم: عبد العزيز عثمان سام

0
83
الاستاذ عبدالعزيز سام

والوطن يعيش بشريات سلام منشود يوقف الحرب مع الحركات المسلحة، سلامُ يشِدُّ له الأطراف الرحال ويضربون أكباد الإبل إلى مدينة جوبا حاضرة الشق الآخر من الوطن الحبيب.
ورحلات ماكوكية بين العواصم المهتمة بسلام السودان المُكمِّل لنجاح مشروع الثورة الشعبية السودانية الباسلة الظافرة، حرِّية سلام وعدالة،
ودولة رئيس الوزراء د. حمدوك يحلُّ بأديس أبابا أمس الجمعة، ويصادف حضوره فوز نظيره أبى أحمد رئيس وزراء أثيوبيا بجائزة نوبل للسلام لجهوده الجبَّارة الصادقة والمباركة من الله عزَّ وجل، وحمدوك كالغيث أينما حلَّ نفع.
وسعادة المستشار الرئاسى توت قلواك مبعوث الرئيس سلفا كير ميارديت يصل الخرطوم الثورة نفس يوم أمس الجمعة ويسلِّم بطاقة دعوة لرئيس المجلس السيادى الفريق فتح الرحمن البرهان لحضور الجلسة الإفتتاحية للمفاوضات المزمعة فى جوبا حاضرة جنوب السودان بعد غدٍ الإثنين 14 أكتوبر 2019م، والعزم والأمل ينضحان بإفتضاح من وُجهَيهِما،
والشاب الأنيق صاحب السعادة محمد الحسن التعايشى عضو المجلس السيادى يعلنُ جاهزية وفد الحكومة الإنتقالية للإنطلاق صوب جوبا الجميلة، فى مؤتمر صحفى مشترك مع الرفيق توت قلواك، لا يميِّز المرء من مِنهم الجنوب ومن الشمال، ملعون أبو القَسَّم السودان نصفين.
ومن بشائر أنَّ السلام قادم، أنَّ بعض “الحركات” إستبقت التفاوض بإرسال وفود لها للداخل تدشن عملها وإحياء نشاطها وتستعد لإستقبال قيادتها فور الوصول لإتفاق السلام المزمع، فلا عناد ولا تعنُّت، ولا يستساغ أن تفاوض مكونات ثورة ديسمبر المجيدة الظافرة بعضها البعض، من يفاوضُ مَن؟ وعلى ماذا؟.
فيما التفاوض بين مكونات تحالف قحت لو كانت النوايا صادقة والمرجعيات التى تعهد بها ووقعها مُلزِمة وباقية؟. ولكنَّ السودان دولة عميقة فى كل شئ، كل شئ فيه أعمق من البحر الأبيض المتوسط، الحفرة التى تبتلع أىِّ شئ ولا توفِّر،
ولو لا العُمق الملازم لكلِّ شئ فى السودان:
. كيف لحكومة حمدوك ومرجعيتها تحالف قحت، أن تفاوضَ الجبهة الثورية السودانية (أ) وهى مجموعة “حركات” سادت ثم بادت، قوامها يافطات يجلس تحتها أسماء قديمة إرتبطت بها ثمَّ إضمحلَّت وفقدت طريقها وقواتها وكادرها والأراضى التى كانت تقاتل فيها، ولا أحتاج لذكر أسماء أولئك “القادة” الدائمِين، والدوام لله وحده. كيف تفاوض حكومة قحت جزءً منها لولا الكبكبة والكنكشة والتخبط؟.
. لكن، إحتراماً لما ورد فى “الوثيقة الدستورية” سيجرى هذا التفاوض ونؤيده، ونسنده. ولكن يجب أن يكون شكلياً، ويقتصر على تفاهمات عامة وعطايا ووظائف تعطى لقادة هذه “الحركات” العميقة، التى تفوق فى العمق الـ Mediterranean، وأهم ما يجب أخذه فى الإعتبار أن هذه الحركات ليست سوى جِيَفْ هالكة، وجمعيات أسرية، وخرابات بالية، وقِباب ليس تحتها “فَكِى”.
. هذه الحركات التى تستعد بنشوة زائدة للتفاوض، هى فعلا (حركات ساى) يمثلون أنفسهم وأسرهم فقط، وفقدت بالتقادم الشرعية الواقعيةDefacto Legitimacy التى إكتسبتها عند نشوئها لما تقزَّمت وتنكَّرت لكونها مِلك عام للشعب، وتخلَّت عن مشروعها الوطنى، وإنحرفت عن مدارها الثورى فصارت بئراً معطلة وقصر مشيد،
. هذه “الحركات”، عدا التى يقودها البطل عبد العزيز الحلو، صارت جمعيات أسرية يقودها قادة فاشلين أحالوا حركات ضخمة لفتات لا تُرى بالعينِ المجرَّدة، لذلك مع إحترامنا لها يجب أن تؤخذ بحَجْمِها، وتقدَّر بقدرها،
. الحركات التى “ستفاوض” حكومة الباسل حمدوك غداً بجوبا، تمثل نفسها فقط، ولا تمثل أحداً غيرها فلا تبيعكم “التُرماج” أو تركِّبكم التونسية حسب عامِّية السماسرة السائدة فى السودان،
. هذه الحركات التى ستفاوض غداً لا تمثلنا. ولا تمثل كادرها السابق الذى بنى مجدها فضاقت به فغادرها. ولا تمثل جيشها الذى نكَّل بها القيادة فهرب من بطش القيادة لحُضنِ النظام البائد مُستجيرأ من رمضاءها بنارِ العدو. ومن جيشه من حوَّلها القيادة الفاشلة إلى “قَتَلة” بعد أن كانوا “مُقاتلِين” شُرفاء شهدت لهم الدنيا بأنَّهم مدرسة جيفارا، وأبناء مانديلا، ورفاق جون قرنق، أحالهم قيادة فاشلة إلى مرتزقة قتلة. ونحن من كنا نتوشَّحُ بهم عِزَّاً، ونفاخر بهم الدنيا ونهتف عالياً: (مُقاتِلين لا قَتَلة Fighters not Killers)، نقفُ اليوم مهِيضى الجناح حيالهم لا نعرف ماذا نقول لهم، ولا ماذا نقول للشهداء ونراهم يرقبوننا باسِمين يسخرون من الإنحراف الكبير الذى قادنا له هؤلاء القادة فلا تمنحوهم ما لا يستحقون، فهم الأن ليسوا ما كانوا أو ينبغى أن يكونوا، فلا يحفِّزهم أحد فى خيبتهم وخيانتهم وفشلهم مثقال قِطمير،
. والضحايا معلوم أماكنهم فلا تبحثوا عنهم فى جوبا، والسماسرة يمتنعون. أسمعوا نصيحتى أدناه وأنتم أحرار، أخذتم به أو تركتموه:
. الحركات التى ستفاوض الحكومة غداً فى جوبا لا تمثل اللاجئين ولا النازحين ولا القطاعات السبعة التى انتخبتهم. ولا يمثلون أمثالنا من الثوَّار الذين حال بيننا وبين قضيتنا ومشروعنا تجَّار الحرب الذين انتخبناهم فى مؤتمرات عامة شهدها العالم ليقودوا مسيرة الثورة فخانوا العهد ونقضوا الميثاق وبالوا على الدساتير وإنفردوا بأسماء الحركات وأحالوها لجمعيات خاصة ورفعوا السلالم التى صعّدناهم بها للرئاسة. ولا يمثلون الشابَّات والشباب الذين هاجروا إلى المنافى البعيدة هرباً من جحيم النظام البائد، وعنف وغلواء هؤلاء القادة،
. وإذا طفقَ هذا المنبر المحترم يفاوض قادة هذه الحركات حول ملفات: النازحين واللاجيئن والمحاربين والقادة الأصليين المُبعدين، وأسر الضحايا والدياسبورا يكون قد طاش سهمه ولن يعترف به كل هؤلاء ويكون المنبر قد ضلَّ الطريق، وبلع الطُعم الذى أعدَّه له هؤلاء القادة السابقين، فلا تتعجلوا وتضلوا الطريق فأنتم فى مفترق طرق خطير ومتشعب. أفهموا مخاطر هذه اللحظة التاريخية ولا تعيدونا إلى أخطاء الإعتراف بالمجلس العسكرى وشرعنته ووضعه فى قِمَّة هرم الدولة وإعادة انتاج دولة “إنقاذ تو” وأقول هذا وأنا مُتأكد من تكرار نفس الأخطاء، ولكن سأقول شهادتى ورؤيتى للتأريخ ولا أبالى، والله يهدى من يشاء،
. ملف السلام لا يتم “بالتفاوض” مع هؤلاء البؤساء، ولكن مع أطراف حقيقيين هم ضحايا هؤلاء الذين ودمَّروا العباد والبلاد. السلام يتم ويكتمل بالجلوس و”الحوار” مع أصحاب المصلحة الحقيقيين من نازحين ولاجئين وضحايا مهجَّرين “دياسبورا”، وقادة ثوَّار حقيقيين يحملون فكراً ومشروعاً سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا يرفد الدولة بالحلول والكادر والرؤى الصالحة لبناء مشروع عقد إجتماعى جديد يلتزم به الجميع لبناء وطن ظلَّ معدوماً منذ ولادته الوهمية،
. لما تقدَّم:
1) نبارك لمنبر جوبا الإنطلاق فى مشروع سلام السودان،
2) نحذِّر من إعطاء التفاوض فوق ما يستحق فى هذه المرحلة، وحصره فى أطرافه، وهما طرف واحد (قحت). وأن يقتصر على إبدال وإحلال بموجبه يتنازل قحط “المركز” عن بعض شَهْدِ السلطة والوظائف لقحت (الهامش)،
3) أن يلتئمَ “القحتين”ِ فى واحد ليستمر المنبر للوصول إلى سلام مع ضحايا الحرب فى الهوامش السودانية، بعد تحديدهم وفق قطاعاتهم المختلفة نلخصها فى: النازحين واللاجئين، الضحايا، المهجَّرِين “دياسبورا”، والثوار المُبعدين قسراً من الحركات المسلحة.
. وفى الختام:
كنت قد نبهت وحذَّرت الأخ محبوب الشعب دكتور حمدوك من قبول هذا التكليف لقيادة الفترة الإنتقالية خوفاً عليه من مرجعياتها، المجلس العسكرى المتورط فى دماء الشعب السودانى، وتحالف قحت تأليف وإخراج صلاح قوش. والآن نجد وطنيتنا تلزمنا جبراً أن نقف إلى جانب حكومة حمدوك ما لم يركب رأسه ويمنح من لا يستحق حقوق الأخرين، حينها سنقلب لحكومته ظهر المِجن ونريهم وجُوهنا الأخرى، ولأننا ساسة فجيوبنا مليئة بالخيارات،
. اللهم يا ربَّنا نسألك السلام وأنت السلام، أحفظ وطننا السودان وأنزل الحبَّ فى قلوب أهله وأنزع عنهم الكراهية والغِل، وجميع أمراض القلوب.
. واللهم إنَّا قد طال بنا الفراق عن الأهل والأحباب والوطن فأجعل لنا عوداً قريباً لا تُباعد، وأجعل السودان آمِناً وأرزق أهله من الثمرات، وأقطع دابر الفتن ما ظهر منها وما بَطن. وأفرغ علينا صبراً نستعين به على تحمل أخطاء وأطماع وغباء قادة بُلِينا بهم، آمين.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here