إلى تحالف قحت والعسكر، تعالوا بأيدى نظيفة

0
82

إلى تحالف قحت والعسكر، تعالوا بأيدى نظيفة

بقلم: عبد العزيز عثمان سام- 21 يوليو 2019م

من أعظم النظريات التي أنتجتها منظومة القانون العام الإنجليزي “نظرية الأيدى النظيفة The clean hands doctrine”. وهى نظرية تصلح أساساً وقاعدة لتحقيق العدالة والإنصاف في جميع مجالات الحياة.
ونظرية الأيدى النظيفة قامت على قاعدة Maxim بسيطة تقول:
(يجبُ على من يأتى إلى العدالة أن يأتي بأيدي نظيفة،He who comes into equity must come with clean hands). والغاية من النظرية واضحة للناس، لكنهم يتجاهلونها بسوء نية، وسوء النية أن يفعل الإنسان شيئاً بقصد تحقيق كسب غير مشروع لنفسه، أو لتسبيب خسارة غير مشروعة لشخصٍ آخر.
وتهدفُ هذه النظرية وقاعدتها إلى حماية “النَزَاهة Integrity” لدى الأطراف فى أى عملية تسعى لتحقيق العدالة والإنصاف.
والعدالة تتحقق عندما يشعر الأطراف بأن النتيجة النهائية للأمر المتنازع عليه جاء مُنصِفاً، إذاً العدالة هى الشعور بالإنصاف. لذلك يقول أهل الحِكمة أن حُكم المحكمة قد لا يحقق العدالة لأن القاضى يحتكم إليه الناس فيقضى بينهم بما يقدمونه من أدلة وبيِّنات، ولعلَّ بعضهم أن يكون ألحن من بعضٍ فيُقضَى له، فهو قطعة من نار.
والسودان اليوم أحوج ما يكون لأن يأتى أطراف العملية السلمية الجارية بأيدى نظيفة وِفق قاعدة (يجبُ على من يأتي إلى العدالة أن يأتى بأيدى نظيفة). وذلك لتمكين الوسطاء والأطراف وأصحاب المصلحة من الخروج من المحنة الحالية لبرِّ الأمان، ووضع السودان فى طريق قويم يوصله لأهداف الثورة الشعبية الظافرة التى تستحق قيادة رشيدة توصلها إلى أهدافها: حُرِّية سلام وعدالة.
هذه النظرية وقاعدتها تهدف ليس فقط إلى تحقيق العدالة وإحقاق الحق وردع الظالم ورد الحقوق السَلِيبة إلى أهلها فحسب، ولكنها أيضاً تهدف إلى”الإنصاف” ومحاربة الأساليب الفاسدة، والالتفاف على الأشياء، والخداع والفساد، ووضع شروط مُسبقة، وتحصين المُشتبه بهم ليفلتوا من المحاسبة والعقاب.
وأورِدُ أدناه بعض مواضع الخلل فى مسيرة العملية السلمية وهل كانت أيدى الأطراف السودانية نظيفة وهى تخوض تجربة صنع حكومة الفترة الانتقالية؟:
1. أين خالفَ المجلس العسكرى نظرية الأيدى النظيفة؟
. خالفها عندما غشَّ الشعب السودانى بأنه انحاز للثورة الشعبية مثل مجموعة الفريق سوَّار الذهب فى ثورة أبريل 1985م. ولكنه لم ينحاز للشعب بل إنقلب على رأس النظام عمر البشير وجلس في كرسيه. ولمّا دان له الأمر طفق يفاوض قحط على اقتسام كعكة السلطة في الفترة الإنتقالية. بينما المطلوب والمأمول من العسكر الإنحياز للشعب ومساعدته فى إسقاط النظام كاملاً وتسليم السلطة للشعب.
. وخالفها عندما تنكَّر لتحالف قحت وراغ يحشدُ فلول النظام السابق لتأييد المجلس العسكرى لقمعِ الثورة الشعبية الظافرة.
. وخالفها بل وأجرم المجلس العسكرى عندما قام بفضِّ اعتصام الثوَّار فى ميدان القيادة العامة 3 يونيو بمجزرة فظيعة قتل فيها مئات المعتصمين العزَّل وإغتصب النساء وتخلص من جثث القتلى برميها فى نهر النيل مُثقلة بقطع أسمنت ثقيلة كى لا تطفو. وبهذه العملية تحوَّل مجلس العسكر إلى مجرم مطلوب للعدالة الجنائية وبالتالى فقد أعضاء المجلس”الأهلية القانونية” كشرط أساس للتكليف بأىِّ منصب عام فى الدولة السودانية لحين تتم محاكمتهم وتثبت براءتهم، عندها فقط يجوز الحديث عن صلاحية أىِّ عضو من أعضاء مجلس العسكر للتكليف بمنصب عام فى الدولة. ولذلك رفع الثوَّار شِعار “العدالة أوَّلاً”.
والأن المواقع التى يشغلها أعضاء مجلس العسكر فى الجيش يشغلونها بقانون القوة وليس بقوة القانون، لأنَّ القانون يصنِّفهم متهمين “مشتبه بهم” فى إرتكاب جرائم وإنتهاكات خطيرة، وفى حالِ ثبوتها فإنَّ عقوبتها الإعدام.
. وخالفها المجلس عندما كذَبوا على الشعب السودانى والعالم أجمع بأنهم لا يزمعون فضَّ الإعتصام بالقوة، ولكنَّهم إعترفوا بعد أسبوع من المجزرة أنَّهم فضُّوا الإعتصام بمجزرة فظيعة وإعترفوا بأنهم قرروا الفض ووضعوا له الخطط وأعدُّوا له العدَّة، فما أوسخَ الأيدى التى أقدمت على ذلك الجُرم الشنيع.
. وخالفها المجلس وهو يصرُّ على أن يكون أعضاءه الذين قتلوا المعتصمين غدراً أعضاءً فى مجلس السيادة وفى أجهزة الدولة السودانية للفترة الإنتقالية مع أنهم فقدوا الأهلية القانونية وصاروا قتلة Killers والقاتل ليس أهلاً للتكليف، ومكانه ساحات العدالة والقصاص. والشعب الثائر قال كلمته واستقر عليها (الدم قصاد الدم، ما بنقبل الدِيَّة). فمن يملك الحق فوق إرادة الشعب ليمنح أعضاء المجلس العسكرى (الأهلية القانونية) ليتبوَّأوا مناصب عامة فى هياكل الدولة السودانية؟.
ومن أين لتحالف قحت الحق فى إقتسام أجهزة الدولة السودانية مع قتلة مجلس العسكر بأنصبة 5، 5، 1، أو غيرها من هذه اللوغريثمات البائسة؟. والقاتل فاسد فى الأرض ومكانه السِجن.
والقاتل لا يرِثُ قتيلة، والسودان مملوك على الشيوع لشعبه والشهداء أفضل من الأحياء، فيجب حجب قَتَلَة شهداءنا الأبرار من ميراث الدولة السودانية.
. وخالفها العسكر لمَّا رَشَحَ عنهم أنهم يرشِّحون سيئ الذِكر جنرال محمد مصطفى الدابى لعضوية مجلس السيادة عضواً سادساً، ونقول حسبُنا الله ونعم الوكيل. الدابى هو أوّل جنرال سوداني ارتكب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقى ضد أهلنا بولاية غرب دارفور 1999م-2002م. الفريق الدابي ذهب إلى الجنينة بسُلطات رئيس الجمهورية البائد عمر البشير وقتل وحرق وأباد شعب دار اندوكا وكان أوّل من أشعل فتنة الحرب فى دارفور التى استمرت حتى اليوم. ويشهدُ بذلك مرؤوسه جنرال عبد الفتَّاح البرهان رئيس مجلس العسكر الحالى الذى كان مساعد المُجرم الدابى ومدير مكتبه وأمين سرِّه عندما أباد أهالى غرب دارفور. وكان والى الولاية حينها عمَّنا المرحوم إبراهيم يحيى وقد كتب وصرَّح كيف أباد الجنرال الدابى أهالى غرب دارفور العُزَّل وأحرق قُراهم ومسحَهم من على وجه الأرض فى مملكتهم العظيمة دار أندوكا.
هذا، وفى بواكير العام 2005م حكى لنا المرحوم إبراهيم يحيى بحسرة، فى منزله بحى (جيرمان هاوس) بمدينة أسمرا حاضِرة الشقيقة إرتريا وكُنَّا جمعاً من الرِفاق، كيف أن الفريق الدابى هذا كان يأتى إلى الجنينة صباحاً ويأمر الطائرات والجيش والجنجويد بحرق القرى وقتلِ أهلها طوال اليوم ثم كان يأتيه مساءً فى مكتبه ليقدم له تنويراً مقتضباً وكاذباً عن نشاطه لذلك اليوم. وبترشيح مجلس العسكرى للمجرم الدابى يكشف عن خلوِّ كِنانته من أىِّ سهمٍ وطنى بريئ من دماء الشعب. فأعضاء مجلس العسكرى والدابي مجرمين قَتَلة فاقد للأهلية القانونية.
2. أين خالف تحالف قحت نظرية الأيدى النظيفة؟
. خالفها بعد نجاح الثورة التى قادها تجمُّع المهنيين السودانيين، عندما وقَّع ميثاقه بأفقٍ ضيق بعقلية المركز المُهيمن، وإنتزعوا القيادة من المهنيين لمَّا نضجت الثورة. وبلعَ المهنِييون الطُعم وسلَّموها لـ”قحط”، فأنطبق عليهم المثل (بعد ما لبَّنت سلَّموها الطير). وهنا يظهر نظافة يد تجمُّع المهنيين مقابل وساخة أيدى تحالف قحط، وهم ثلَّة من “الأخِلَّاء” تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتَّى، إنتزعوا تمثيل الثورة ثم خانوا الأمانة،(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) الزخرف. ومعنى الآية أنَّ كل صداقة وصُحبة لغير اهََ فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة، فتحالف قحط ومكوناته المتشاكسة هذه (لبن سمك تمر هندى) ينذرهم اهلط بهذه الآية بشقاءِ الدارين، الدنيا والأخِرة.
. وخالفوها عندما إعترفوا، بغباء مُدقِع، بالمجلس العسكرى كطرف مُقابل للشعب السودانى بدلاً من إعتباره جيشه وحارسه وحاميه الذى انحاز له وانتزع الحُكم والدولة من النظام البائد لتسليمه للشعب المُعتصم فى دار جيشه، فينحصر دور قحت ومن خلفه الشعب فى المطالبة بالتسليم، سلِّم تسلم، ولكنَّهم إعترفوا بالإنقلابيين العسكر، فقرروا الإطاحة بالشعب وفضِّ الإعتصام، والإنفراد بالسُلطة.
. وخالفوها عندما جعلوا قحت (تحالفاً) هشاً متشاكساً بدل أن (يندمجوا) فى تنظيم واحد عريض ينهض بذمَّتِهم أدناهم، فدان الأمرُ لمجلس العسكر فخلخل قحت (فرِّق تسُد) لدرجة أن قحت صدَّقت العسكر وصار كل مكون من مكوناته يتواصل سرَّاً ويتفاهم مع مجلس العسكر الذى يفعلُ بهم ما يشاء.
. وخالفوها عندما ضيَّقوا ماعون تحالف قحط ليكون حصراً على تنظيمات وفئات المركز دون الهامش، تحالف يضم أحزاب المركز، وأفراد ومنظمات خاوية لا نشاط لها غير التسوُّل، ويضيقُ بحركة الرفيق عبد الواحد نور أحد أيقونات الثورة لمَّا حاول المسعور صلاح قوش إلصاق الحراك الثورى بعناصر من حركته فردَّ عليه الثوَّار “يا عنصرى ومغرور كل البلد دارفور”.
قلتُ أن قحت تحالف أخِلَّاء بعضهم لبعضٍ عدو. لذلك يضيقون بأيقونة الثورة الرفيق عبد الواحد نور فرَفَّع يده عن جيفة “قحط” وإرتفعَ يغرِّدُ فى علياءه:”إذا وقع الذبابُ على طعام.. رفعتُ يدى ونفسى تشتهيه.. وتعفُّ الأسود عن ورودِ ماءٍ إذا كان الكلابُ وَلَغْنَ فيه”. وتحالف قحط أضيق أفقاً وأقصر نظراً من تقديم حلٍّ شامل لأزمة الوطن، فأيديه مُتَّسِخة منذ الأزل، وقد رضعوا الظلم من أمَّهاتهم.
. ولأنهم مراوغون كالحاوى يخدعون ولا مِصداقية لهم، وفاقد الشيئ لا يعطيه، وإن لم تستح فأصنع ما شئت. وقد رأى النَّاسُ بالأمس القريب 17 يوليو الجارى كيف وقَّع ممثل الحزب الشيوعى على ما عُرف بـ”الاتِّفاق السياسى”، وفوراً أصدرَ الحربُ بياناً مُتزامناً مع مراسم التوقيع نقضَ فيه ما وقَّعه مُمثله نيابة عن تحالف قحط! إنهم لا ينسون شيئاً ولا يتعلمون.
. ولأنَّ تحالف قحط هذا شارك فى اتخاذ قرار فضِّ أعتصام القيادة العامة بالقوة، وهو الهاجس الذى يؤرِّق مضاجع معظم مكونات تحالف “الأخِّلاء” هذا. ونؤجِّل الحديث عن إشتراك قحط فى قرار فضِّ الأعتصام لحين صدور وإعلان نتائج التحقيق لو كان هناك ثمَّة “تحقيق” عادل يتم بإشراف الجانى، مجلس العسكر. ولأنهم مجبولون على الحضور فى سُوحِ العدالة بأيدى مُتَّسِخة وخناجر غدر مسمومة. وكل تركيزهم ينصبُّ على الشراكة مع مجلس العسكر بأى ثمن، وغايتهم الإنفراد بالحلِّ مع مجلس العسكر ثم يُساومون بنصيبهم بقية قطاعات الشعب والمجتمع بمن فيهم الثوار مقابل جُعل من فتاتِ ما غنِمُوا من العسكر. والدليل ما فعلوا البارحة مع رُفاة الجبهة الثورية السودانية فى أديس أبابا، لذلك قحط هذا أسوأ من مجلس العسكر وأيديه أكثر اتِّسَاخاً من أيدى العسكر. ومن أجل ذلك، نرسل رسالتنا هذه إلى تحالف قحط ومجلس العسكر، أن تعالوا إلى سوحِ العدالة والإنصاف بأيدى نظيفة، أو فعُودوا إلى أوْحَالِكم التى جئتم منها، فالبلاد لا تُبنى بسواعد الخيانة، ولا بأيدى مُتَّسِخة دوماً بالغدر والحِقد والغِلِّ.

 

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here