لماذا وقَّعَ الحزب الشيوعى الاتِّفاق السياسى ثُمَّ أصدرَ بياناً ينقضه؟ بقلم عبد العزيز عثمان سام

0
88

مواقف وتصرفات الحزب الشيوعى من الأشياء التي يصعب على المرء فهمها. وباعتباره حزباً قديماً نشأ فى بدايات العقد الخامس من القرن الماضى، ينظر الناس باهتمام إلى مواقف وتصرفات وردود أفعال الحزب الشيوعى السودانى. وبمراجعة تصرفات وردود أفعال هذا الحزب الكبير الذى إلتزم معارضة نظام الكيزان البائد منذ بدايته فى 30 يونيو 1989م وحتى سقوطه فى 11 أبريل 2019م، لذلك ينظر الجميع باحترام كبير لصمود هذا الحزب والتزامه بالكفاح والنضال ضد الدكتاتورية والظلم واستعداده لتقديم الغالي لإحداث التحول السلمى الديمقراطى الذى يوفر الحرية والسلام والعدالة عبر الثورة الشعبية السودانية السلمية، فألف تحية وإحترام لهذا الحزب الملتزم بقضية الوطن، ولكن:
هناك مواقف وتصرفات وردود أفعال تصدر بين الفينة والأخرى من هذا الحزب جعلت الأعين تشخص مستغربة منها، وكيف يصدر من الحزب الشيوعى القائد الرائد ذو الخبرة والكادر المُلتزم بالعمل الجماعي بروح الفريق؟.
وانتقلُ مباشرة للموقف الغريب والملفت للنظر وهو أنَّ ممثل الحزب الشيوعى هو من ناب عن قوى الحرية والتغيير فى توقيع “الاتِّفاق السياسى” الذى تم بينهم والمجلس العسكرى الانتقالى صبيحة يوم 17 يوليو 2019م بينما وقَّع عن المجلس العسكرى نائب رئيسه جنرال حميتى. 
ومهما إختلف الناس حول مضمون ومحتوى الوثيقة التى تمَّ توقيعها، هى خطوة مهمة نحو الإنتقال، ويجب علينا جميعاً الترحيب بها فى هذا المستوى، لأننا جميعاً بصدد استرداد وطن وَهَنَ منه العظم وإشتعل رأسه شيباً من شدة التنازع والإختلاف والإحتراب بين بنِيه ما مهَّد الطريق لبُغاث دويلات الدنيا التدخل فى شأن السودان وتوجيه حركته نحو المجهول. لذلك، يجب علينا جميعاً مساندة الأطراف التى تنهض بالشأن السودانى تحالف قحت والمجلس العسكرى بدفعهم من الخلف وجذبهم من الأمام لإخراج البلد من المستنقع الذى وُضِعَ فيه.
ولكن، ما بال الحزب الشيوعى يوقِّع الاتفاق التوقيع ثم ما يلبث أن يصدر بياناً مُتزَامِناً يتنكَّر فيه للاتِّفاق الذى وقعه؟ ما هذا يا شيخ الأحزاب وكبيرهم فى تحالف قحت؟ لماذا جرى الذى جرى وأربك المشهد؟ وجعل النَّاسُ لا يفهمون يوقع الحزب الشيوعى الاتفاق ثُمَّ يرفضه وينقضه فور توقيعه. 
ومِمَّا يُحمد للحزب الشيوعى أنه ليس ذو أجنحة مثل الأحزاب الأخرى التى تفرقت أيدى سبأ وصارت بعددِ الحصى. الحزب الشيوعى حزب واحد وهذه حقيقة يؤخذ بها عِلماً قضائياً، فى السودان حزب شيوعى واحد. فلو كان ذلك كذلك كيف يفسر لنا الحزب المحترم هذا الخلط: يوقع ممثل الحزب، على رؤوس الأشهاد “الاتفاق السياسى” برعاية الوسيط الأفريقى، وبينما الناس يطالعون الاتفاق ويبحثون عن النسخة الموقعة من مظانِّها يُفاجأون ببيان من الحزب الشيوعى ذات نفسه يرفض الاتفاق الذى وقَّعه ممثله نيابة عن تحالف قحت. قلت فى نفسى هل سرى عدوى حزب الأمة القومى بزعامة الإمام إلى الحزب الشيوعى؟ لأنَّ حزب الأمة هو الأشهر فى نقض غزله بيده. ولو صحَّ أن الحزب الشيوعى قد أصدر هذا البيان نقول الأتى فى مناهضته:
ما الذى يجبر حزباً كبيراً وقائدا ورائداً لمثل هذا الموقف السخيف؟ يوقع بيمينه وسرعان ما ينقض ما وقَّعه بيساره؟ الحزب شخصية إعتبارية يقوم الأشخاص الطبيعيون بتصريف أعبائها ويعبرون عن إرادتها، فلو أن ممثل الحزب الشيوعى الذى وقع نيابة عن التحالف مفوض من الحزب، وأن الحزب قد وافق على الصيغة المُوقعة وأعطى ممثلها الضوء الأخضر فلا سبيل للحزب التملُّص مما إلتزم به والتنكُّر لأرادته الحُرَّة، ويقع باطلاً وغير أخلاقى البيان الذى صدر من الحزب فى رفض ومناهضة الاتفاق السياسى المبرم. والحزب الشيوعى واحد لا يتجزأ ويجب أن يكون له موقف واحد ورأى واحد، فلا يُستساغ أن يوقع الاتفاق ثُمَّ ينقضه ويتنكر له فور توقيعه. وبهذا يقدم الحزب للناس وجهه الحقيقى كتنظيم مضطرب ومخاتل غير متماسك، وينطبق عليه بيت شعر فى قصيدة الدبلوماسي الشاعر صلاح أحمد إبراهيم “يا مريا” يقول فيها فى توصيف مريا (ترتدى ثوب عزوفٍ وهى فى الخِفية ترغب)، تلك التحفة التجريدية الرائعة التى أبدعها لحناً وأداء الفنان حمد الريح فساهم بها فى تشكيل وجدانٍ سليم لهذا الشعب العظيم.
. هذا الشباب الذى قاد الثورة الشعبية العظيمة ورَوَى تراب بلده بدماءه الطاهرة يستحق من هذه الأحزاب كل الأحترام والوضوح والشفافية، فامّا أن يكون الحزب الشيوعى مع الاتفاق المبرم أو ضده، ولو كان ضد الاتفاق أو له تحفظات جوهرية عليه فلماذا قدَّمت ممثل الحزب لتوقيعه نيابة عن تحالف “قحط”؟. هذا التصرف غير مقبول من الحزب الشيوعى ويجب أن يوضح للناس لماذا فعل ما فعل.
. العمل السياسى عموماً وفى السودان خصوصاً وبالأخص فى هذا الوقت الحرج هناك صعاب جمَّة تعترى الجميع ولا يمكن لأى حزب أن يحقق ما يصبو إليه بنسبة كاملة 100% وطبيعة التفاوض وقاعدته أنها عملية (كسب/ كسب) لكلِّ الأطراف(Negotiation is a win/win process) التفاوض هى عملية خُذ وهَات بين أطرافه، بمعنى أن كل الأطراف تكسب، وليس طرفاً واحداً فقط هو من يكسب والأخر يخسر. لذلك على الحزب الكبير ألَّا يتأثر أو يستحى من ضعف المنتوج الذى تم التوقيع عليه فى الاتفاق السياسى، وبدل التنكر للمولود الشائِه عليه الإجتهاد فى إستكمال النقص فى المراحل القادمة. أمَّا أن يصدر بياناً متزامناً مع مراسم التوقيع يبخس فيه حصاد يده فهذا يخصم من صِدقية ومسؤولية وأهلية هذا الحزب الذى ينظرُ إليه الجيل الجديد كمُنقِذ، بينما هو يُثبِّط هِمَم الشباب.
لذلك، يجب على الحزب الشيوعى أن يكون متَّسقاً مع مواقفه وأن يعمل بروح الجماعة مع حلفاءه لأن هذه التصرفات تقدح فيه وتظهر عيوبه التى لا يعرفها الجيل الحديث الذى قاد هذه الثورة الشعبية الظافرة لولا تشاكس وتناحر الأحزاب السياسية التى تقود السودان الآن. وسوف يصل الناس قريباً جداً لمعرفة سبب هتاف الشعب السودانى فى الماضى (العذاب ولا الأحزاب). قلنا وكتبنا مراراً أن عِلَّة هذا السودان فى أحزابه السياسية المتنافرة والمتشاكسة المتنافسة على المعدوم على اللا شيئ. أحزاب لا تمارس الحرية ولا الديمقراطية داخلها وتطالب بها فى مواجهة الآخرين، أحزاب توقع المواثيق الآن على رؤوس الأشهاد، ثُمَّ تتنكر لها فور التوقيع ببيانات تصدر منها قبل أن تنفضَّ مراسم التوقيع.
والأحزاب السودانية القديمة هى من ستجهض الثورة وتهزم أهدافها لذلك قلنا لتجمع المهنيين ان ينهض بالعمل السياسى وينشئ تنظيماً من الثوَّار وأن يتم تسليم السلطة للثوار فى ميدان التظاهر والإعتصام ولكنهم سلَّموا الثورة بعد نجاحها لأحزاب وُلِدت فاشلة وستظل فاشلة حتى تقوم الساعة.
وليعلم شباب الثورة الشعبية الباسلة أن وجود الحزب الشيوعى فى مقدمة أى عمل فى السودان يعنى التنازع والفشل وذهاب الريح، لأن تنظيم الأخوان المسلمين فى السودان قام حصرياً لمناهضة الحزب الشيوعى، وهذا صراع أزلى وجدلى لتدمير السودان وتقزيمه فى حرب صراع فِكرين مستوردين اتَّخذا من السودان مسرحاً لحربهم. والشيوعى والكوز وجهان لعُملة واحدة، بمعنى، الأخ المسلم إذا ترك تنظيمه صار شيوعياً، والشيوعى إذا إهتدى صار أخاً مسلماً والأمثلة كثيرة يعلمها الشعب السودانى. لذلك، على الثورة الشعبية الظافرة أن تضعَ حداً لصراع الشيوعية والكيزان على منجزات الثورة ومنع صراعاتهم من الطفح على السطح ليُدخِلوا السودان مرَّة أخرى فى جُحر ضبٍّ أجرب بصراعهم القديم المتجدد، فيجب منع أى صراع بين الفئتين لأنَّ الثمن أن يكون السودان مسرحاً لحرب أفكار مستوردة وبالية. 
لا كيزان ولا شيوعية فى السودان، وعهد الإتجار بالأديان والعقائد قد وَلَّى، وعلى شباب الثورة السودانية أن يعلم يقيناً أن الخطر على السودان وتعطيل تحقيق أهداف وشعارات الثورة لا يأتى من الكيزان وحدهم، ولكن أيضاً من توأمِهم الحزب الشيوعى، وكل الذين يحملون أفكار ورُؤى عقائدية يعرضونها للشعب السودانى، من بعث وناصرى وغيرها. ثم أنَّ هذه العقائد قد ماتت وقُبِرت فى بلاد منشأها لعدم واقعيتها فلماذا يريد هؤلاء تسويق تلك الفتن فى السودان؟. أيها الشعب السودانى، إحذروا صراعات الكيزان والشيوعية فى السودان لإن هذا الصراع أقعد بالسودان منذ خروج الإنجليز، يضاف إلى ذلك جهل أحزاب الطائفية بأمور إدارة والحُكم وإكتفاءهم ببيع صكوك الدين لتخدير أتباعهم المُرِيدين. والآن، انتهت الطائفية بالوعى الذى ساد المجتمع، فأحذروا فتنة الكيزان والشيوعية ومن لفَّ لفِّهم، من وتحويل البلاد إلى ساحة لإحتراب أفكار ورؤى عقائدية مستوردة وفاسدة. 
وأصدقكم القول: لا فرق بين كوز وشيوعى، كلهم سواء، وجُوه مختلفة لنفس العُملة. 
نقول لهم هذا، حتّى لا يكرروا هذه الحركة الغبية مرَّة أخرى، يوقع مندوبهم الاتفاق مع الأطراف، ويصدر الحزب بياناً مُتزامِنا أو تصريحاً فى وسائل الإعلام ينقضُ فيه غزلهم الذى غزلوه بأيديهم مع الناس توَّاً؟.

 

المصدر: https://sudaneseonline.com

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here